آباء الكنيسة

آباء الكنيسة

مدخل عام                   الأب بسّام آشجي

 

مقدمة

“علم الآباء” هو دراسة النتاج اللاهوتيّ في القرون الأولى للمسيحيّة، أي البحث في التراث الفكري حول الإيمان المسيحيّ، وعيشه، وممارسته، وطقوسه، وأخلاقياته، خلال هذه الحقبة التي سُمّي رعاتها بـ”الآباء”.

 لقد نشأ هذا النوع من النتاج الفكري المسيحي مباشرة بعد تدوين الإنجيل والعهد الجديد عموماً، وقد أعطت كنيسة القرون الأولى لبعضٍ منه مكانةً تكاد توازي مكانة العهد الجديد.

أ‌- من هم آباء الكنيسة ( 1 )

أُطلق لقب “الأب” في نشأة الكنيسة على الأسقف، يقول بولس الرسول: “لست أكتب هذا لإخجالكم، وإنما لأنبّهكم كأولادي الأحباء. لأنّه لو كان لكم ربوات من المعلمين في المسيح، ليس لكم آباء كثيرون؛ إذ إني أنا ولدتكم في المسيح يسوع، بالإنجيل. فأطلب إليكم أن تكونوا بي مقتدين” (1كور4:14-16). أما تعبير “آباء الكنيسة” فأطلق أولاً على آباء المجامع المسكونيّة. وأول من وضع لائحةً بأسمائهم هو القديس باسيليوس الكبير (القرن الرابع) لكي يدعم تفسيره للعقيدة “ببراهين ترتكز على الآباء” بحسب تعبيره. وابتداءً من القرن الخامس اتسع هذا اللقب ليشمل أناساً لم يكونوا أساقفة. وصار هذا اللقب علامة تدلّ على مرجعيّة موثوقة تأتي بعد الكتاب المقدّس.

ب‌- تاريخيّة “علم الآباء”

إنّ تعبير “علم الآباء” (PetrologyPatrologie) هو حديث العهد نسبياً في الأوساط العلمية، استنبطه لأوّل مرّة اللاهوتي اللوثري يوحنا جرهارد (+ 1637) في كتاب عنوانه “بترولوجيا”، نشر سنة 1653 (2) . بيد أنّ أوسابيوس المؤرّخ أسقف قيصرية (+ 339، 340) سبقه في ذلك بأجيال، إذ جمع في كتابه الشهير “التاريخ الكنسي” سيرة الآباء والكتّاب المسيحيين وتعاليمهم، من مستهلّ القرن الأوّل حتى منتصف القرن الرابع تقريباً.

وعلى غراره راح القدّيس إيرونيمس (418) يعبّ من تعاليم الآباء وإرشاداتهم، فوضع كتاباً في هذا الحقل دعاه “مشاهير الرجال”. وكتب جناديوس البلاجي سنة 480 كتاباً يحمل العنوان نفسه “مشاهير الرجال”. كما كتب في الموضوع نفسه كلّ من إيسدوروس الشعلي (618) وإيلفونس التوليدي (667)، وكتب فوسيوس سنة 855 كتاباً عرّف عن 280 مؤلف بينهم مسيحيين سمّاه “المكتبة” (3) .

توقفت الكتابة عن الآباء مدّة خمسة قرون لتعود مع سيجبرت دو جمبلوكس وهونوريوس دارتون. وأخذت الكتابة عن الآباء بعداً نقدياً وعلمياً ابتداءً من القرن الثامن عشر مع ريمي سيليه تليمونت. واكتشف في القرن التاسع عشر الكثير من المخطوطات السريانيّة والأرمنيّة والجيورجيّة والقبطيّة، جمعت إلى تراث الآباء اليوناني واللاتيني الكبير. كما أدرجت الجامعات الكبرى مادة “علم الآباء” في عداد المواد اللاهوتيّة الأساسيّة، فأخذ هذا العلم أبعاده التخصصيّة.

أخذت حركة نشر تراث “الآباء” ودراسته وتدريسه ونقده علميّاً تتوسّع، اعتباراً من القرن العشرين، خصوصاً بعد أن نشر الأب جاك بول مين Mige مجلدات ضخمة جمعت الكثير الكثير من نصوص الآباء التي سمّيت باسمه (مجموعة مين)، ويرمز لها عادة بـ P.G للآباء اليونان و P.L للآباء اللاتين. ولعل أهم مجموعة علميّة ونقديّة هي مجموعة ودراسة “الينابيع المسيحيّة” Sources chrétiennes التي تضمّ حتى الآن أكثر من 300 مجلّد. يضم كلّ مجلّدٍ مقدّمة واسعتين عن النص باللغة الفرنسيّة، مع النص نفسه بلغته الأصلية وفي الصفحة المقابلة ترجمته بالفرنسيّة، كما يضم، في آخره، مجموعة فهارس علميّة منوّعة.

ت‌- تصنيف الآباء ومدارسهم

تمتد فترة آباء الكنيسة عند الشرقيين حتى القرن الثامن مع يوحنا الدمشقي (+ 749)، وحتى القرن السابع عند الغربيين مع ايسيدورس أسقف إشبيلية (+636). غير أن بعض العلماء الأرثوذكس، كالأب ميشيل نجم، العميد السابق لمعهد القديس يوحنا الدمشقي في البلمند، يقول أن عصر الآباء مستمرّ إلى يومنا ولا يمكن أن نحدّد سنة ينتهي فيها هذا العصر، هناك سلسلة متتابعة (continuité) في تقديم الإيمان المسيحي بلغة كل عصر وزمان.

يمكن تصنيف نتاج “الآباء” بحسب الفترة الزمنيّة كأن نقول “آباء القرن الثاني” و”العصر الذهبي للآباء”، أو بحسب نوعيّة الحقبة فنسمي تلاميذ الرسل “الآباء الرسوليين”، أو بحسب المكان ونوعيّة الفكر كالمدرسة الإسكندريّة والمدرسة الأنطاكيّة، أو بحسب اللغة: “الآباء السريان” و”الآباء اللاتين”، أو بحسب الموضوع: الآباء المدافعين… إذ لا توجد طريقة واحدة لتصنيف هذا التراث. ولقد اخترنا طريقة جمعت بعضاً من سابقاتها في تصنيف هذا التراث:

1 – حقبة الآباء الرسوليين :

كتب أعلامها باللغة اليونانية في القرن الثاني الميلادي خصوصاً في النصف الأول منه. أشهر مؤلفاتها كتابات إقليمس (اكلمنضس) أسقف روما، واغناطيوس الانطاكي، وبوليكاربوس أسقف إزمير، وبابياس أسقف هيرابوليس، ورسالة برنابا، وكتاب “الراعي” لـ هرماس، وكتاب الذيذاخيه (تعليم الرسل). إضافةً لمجموعة من “قوانين الإيمان” والوثائق الإيمانيّة، وعدد كبير من المؤلفات “الأبوكريفيّة” (المنحولة) كالأناجيل والرسائل والرؤى…

2 – حقبة الآباء المدافعين:

كتب أعلامها باللغة اليونانية في القرن الثاني الميلادي خصوصاً في النصف الثاني منه. أشهر مؤلفاتها كتابات كوادراتوس (كتب أول رسالة دفاعية)، وارستيذس الأثيني (ترجمته الأرمنية فقط)، وارسطون البلاوي الفلسطيني، ويوستينوس الفيلسوف (فلسطين)، وتتيانوس السوري، وميلتياس (آسيا الصغرى)، وأبوليناريوس أسقف هيرابوليس، وأثيناغوراس الأثيني، وثيوفيلوس الأنطاكي، ومليطون البتول (آسيا الصغرى)، ورسالة ذيوغنيتس، وذيونيسيوس الكورنثي، وسيرابيون الأنطاكي، وهيغيسيبوس الفلسطيني، وإيرناوس أسقف ليون.

3 – مدرسة الإسكندرية:

كتب أعلامها أيضاً باللغة اليونانية وتقسم إلى مرحلتين:

أ- القرن الثالث الميلادي: بانتنوس، إقليميس (اكلمنضس)، أوريجانوس، أمونيوس، ديونيسيوس الإسكندري، ثيوغنوستس، بطرس الإسكندري، وهيسيخيوس.

ب- المشكلة الخريستولوجية (القرنين الرابع والخامس): أثناسيوس الكبير وكيرلس الأسكندري.

4 – مدرسة أنطاكية والآباء السوريون:

كتب أعلامها باللغة اليونانية في القرون الثلاثة الأولى: لوكيانوس مؤسس المدرسة، ودوروثيوس، وديودوروس الطرسوسي، وبولس السمساطي، وساويروس.

وفي القرن الرابع: ثيوذورس المبسوسطي، ويوحنا الذهبي الفم، وكيرلس الأورشليمي.

وبعد ذلك: رومانوس المرنم (الحمصي) ومكسيوس المعترف ويوحنا الدمشقي وقزما المنشئ.

 

5 – الآباء الكبادوكيون:

كتبوا باللغة اليونانية في القرن الرابع وهم: باسيليوس الكبير، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس النيصي.

6 – الآباء السريان:

كتبوا باللغة السريانية وهم: برديصان (154 – 222)، أفرهات ( القرن الرابع)، مار أفرام السرياني (القرن الرابع)، مار اسحق السرياني، ساويروس الأنطاكي (+538)، فيلوكسينس أسقف منبج (+523)، يعقوب السروجي (451 – 521)، وغيرهم.

7 – الآباء اللاتين وشمال أفريقيا:

كتبوا باللغة اللاتينية وهم: ترتوليانوس القرطاجي (160 -00)، كبريانوس القرطاجي (200 – 258)، هيلاريون أسقف بواتيه (310- 367)، أمبروسيوس أسقف ميلانو (239 – 397)، ايرنيموس (347 – 420)، لاون الكبير بابا روما (440 – 461)، يوحنا كاسيانوس (360- 00)، أغسطينوس (354 – 430)، بندكتوس (485 – 580)، والبابا غريغوريوس الكبير (+604).

8 – الآباء الأرمن:

كتبوا باللغة الأرمنية وهم: غريغوريوس المنور (240 – 323)، نرسيس شنورهالي، غريغوريوس الناريكي، وغيرهم.

9 – الآباء الأقباط والأحباش:

أهمهم: شنوده (القرن الخامس).

ث‌ – خصائص آباء الكنيسة

تعتبر الكنيسة في عداد “الآباء القديسين” بشكل رسمي، فتبرز سيرتهم، وتجلّ كتاباتهم، وتقيم لهم الأعياد المناسبة، كلاً من الذين توفّرت لديهم الشروط الأربعة التالية  (4):

 1-  استقامة العقيدة doctrina orthodoxa

 2-  قداسة السيرة santitas vitae

 3- اعتراف الكنيسة approbation Ecclesiae

 4-  قدم العهد antiquitas

غير أن الدراسات العلمية الحديثة تدرج في أبحاثها كلَّ التراث المسيحي في حقبة “الآباء” حتى لأولئك الذين لم يتمتّعوا بالشروط السابقة، كـ ترتوليانوس وأوريجانوس اللذَين لم يطلق عليهما لقب “قديس” لأسباب ندرسها في حينه.

كما أُدرج لاحقاً، ضمن مجال هذه الأبحاث، دراسة الأدب الأبوكريفي (المنحول) في القرون الأولى الذي كان يُدرس عادة ضمن أبحاث علوم الكتاب المقدّس.

لقد عُرف في تقليد الكنيسة لقب “معلّم” (Docteur de l’église)، أُطلق على بعض الآباء والقديسين من “ذوي المعرفة والإنتاج الغزيرين في شتّى المجالات”. ولا يحصر هذا اللقب على شخصيات عاشت في فترة معيّنة من التاريخ، فهناك من أطلق عليه هذا اللقب من حقبات “الآباء”، كالقديسين مار أفرام السرياني ويوحنا الذهي الفم وأثناسيوس الكبير، ومنهم من عاش في القرون الوسطى، كالقديس توما الأكويني والقديسة تيريزيا الافيليّة، ومنهم من عاش في العصر الحديث كالقديسة تيريزيا الطفل يسوع.

 

 

ج ‌- الفنون الأدبيّة لآباء الكنيسة

هناك طرق مختلفة لرواية الأشياء نفسها. وكما عبّر الكتاب المقدّس عن معانٍ معيّنة بأساليب كثيرة ومتنوّعة، استعمل أدب “الآباء” أيضاً “الأنواع الأدبيّة” المتعارف عليها في عصره. فنجد في كتاباتهم الرسائل والعظات والمقالات والدفاعات والرؤى والقوانين والشعر والإرشادات والطقسيات والتاريخ والأبحاث اللاهوتيّة والتفسير. لكلّ طريقة في التعبير منهجيتها وقواعدها، ولكلّ فن هدفه. علينا الدخول في أسلوبيّة فنون الكتابة. وعلينا لزاماً معرفة آلية هذه الفنون كما وجدت في زمانها لنستطيع النفاذ إلى المعنى المختبئ في هذه الآلية والفن.

ح ‌- أهميّة دراسة “علم الآباء”

إن دراسة تراث الآباء تحمل العديد من الفوائد:

1 – معرفة نشأة وتطوّر العقائد والطقوس والأخلاقيات والروحانيات والقوانين والعادات المسيحيّة، وتمييز ما كان منها أساسيّاً وثابتاً أو نسبيّاً وطارئاً، مما يمنح عيشاً أعمق للمسيحيّة.

2 –  متابعة “التقليد” الكنسي والإرث الروحي وتطويره ( (continuité.

3 –  التمرّس على منهجيّة في الآباء التعبير عن الإيمان بلغة وثقافة العصر (Inculturation).

4 –  قراءة جديدة للاختلافات والفروقات بين الطوائف المسيحيّة، وسبل آفاق الاتفاق.

إنّ دراسة الآباء والإطّلاع على سيرتهم وتعاليهم وروحانيتهم، يبعثان في نفس المسيحي دفقاً جديداً ويعطيانه أبعاداً شاملة عن حياته المسيحية ويمكنه على ضوئها أن يسهم في بناء الكنيسة ونشر الملكوت على الأرض..

خ ‌- وصايا في دراسة “علم الآباء”

علينا، لكي لا تفعل دراسة “علم الآباء” فعلاً عكسيّاً لهدفها، الانتباه إلى ما يلي:

1 – ألا نعتبر موضوعات هذا التراث كلّها مفيدة لكلّ زمان ومكان، وبالتالي علينا ألا نمنحها الطابع المطلق والمُقَدْسَن”، لأنّ “الحرف يقتل أما الروح فيُحيي”.

2 –  ألا ننشر هذا التراث دون دراسة نقديّة وشرح. فندقّق في الأسلوب والفن الأدبيين في دراسة نص من هذا التراث ونضعه في إطاره التاريخي واللغوي.

3 –  ألا نستعمل، في خطابنا اللاهوتي، تعابير “الآباء” التي ما عادت مفهومة في عصرنا (5) إلا بعد شرحها.

4 – أن نسعى لنحت تعابير جديدة منسجمة مع واقعنا الثقافي واللغوي كما فعل “الآباء”، فالأمانة لهم تكمن في اقتباس منهجهم لا في نسخ أفكارهم وتجميدهاعلينا، لكي لا تفعل دراسة “علم الآباء” فعلاً عكسيّاً لهدفها، الانتباه إلى ما يلي:

1 –  ألا نعتبر موضوعات هذا التراث كلّها مفيدة لكلّ زمان ومكان، وبالتالي علينا ألا نمنحها الطابع المطلق والمُقَدْسَن”، لأنّ “الحرف يقتل أما الروح فيُحيي”.

2 –  ألا ننشر هذا التراث دون دراسة نقديّة وشرح. فندقّق في الأسلوب والفن الأدبيين في دراسة نص من هذا التراث ونضعه في إطاره التاريخي واللغوي.

3 –  ألا نستعمل، في خطابنا اللاهوتي، تعابير “الآباء” التي ما عادت مفهومة في عصرنا إلا بعد شرحها.

4 –  أن نسعى لنحت تعابير جديدة منسجمة مع واقعنا الثقافي واللغوي كما فعل “الآباء”، فالأمانة لهم تكمن في اقتباس منهجهم لا في نسخ أفكارهم وتجميدها.

د ‌- لاهوت الآباء انثقاف اللاهوت Inculturation

انثقاف الفكر هو نقله من ثقافة إلى أخرى، أو تجسيد المعاني في ثقافة معيّنة. فالتفكير في الإيمان المسيحي، وإن كان يحمل حقيقة واحدة، قد انثقف في حضارات متعدّدة حسب الزمان والمكان. فكلمة “الكلمة” (لوغوس)، على سبيل المثال، المستعملة في افتتاحية إنجيل يوحنا لها مدلولات في الفلسفة اليونانية، غير ما قصده كاتب الإنجيل المثقَّف بالحضارة السامية، رغم أن اللغة هي واحدة فكم بالأحرى لو تغيرت!.. لا تكفي الترجمة الحرفيّة، بل يجب نقل المعنى المختبئ في حدود الكلام إلى الثقافة الجديدة. ويجب، من جهة أخرى، أن يعني هذا المعنى لمن يتلقاه فلا يصل إليه بارداً جامداً.

يحمل انثقاف الإيمان إشكاليّة طرحت على الفكر المسيحي منذ نشأته: هل معنى الإيمان الذي اُختُبر في الثقافة السامية كحدثٍ مؤسِس له قد تغيّر في الحضارة الهلينيّة، وبالتالي في مختلف الحضارات؟ أم أن المعنى قد بقيَ أميناً للحقيقة رغم تغيُّر المبنى؟ وهل لكي نُحافظ على المعنى، هل يجب أن نترك المبنى كما وُجِدَ في أُصوله، وبالتالي علينا العودة، في كلِّ زمان ومكان، إلى عصر الأصول، لكي نختبره؟.. أظنّ أنَّ الإجابة على هذه الأسئلة تَسهلُ في حالة فهم حقيقة التجسّد في المسيحية، وتعميمها بحدث انهمار الروح القدس يوم العنصرة. فالروح القدس، الذي حقّق التجسّد الإلهي في حضارة الزمان والمكان، لم يفارقِ الكنيسة منذ حلوله “في اليوم الخمسين” يوم العنصرة (رسل2/..)، وكما ألّهَمَ الجماعة المؤَسِسَة إعلان الإيمان في ثقافات ذلك الزمان، وهذا ما يرمز إليه تعدد الألسنة، لا يزال يُلهم الكنيسة، في كل زمان ومكان. المشكلة هي العكس، حين تتجمّد تعابير الإيمان في قوالب الثقافات الغابرة!..

لقد عبّر “الآباء” عن إيمانهم بلغة وثقافة عصرهم، فلم يتأخروا في نحت كلامٍ مقتبسٍ من واقعهم الحضاري للتعبير عن معاني الإيمان، وبفعل الروح القدس تعلن الكنيسة استقامة تعاليمهم. الآباء خضَّعوا الفلسفة لإعلان إيمان الكنيسة، يوم كانت الفلسفة لغة العصر، فاستعملوا تعابير اقتبست من الفلسفة اليونانية لم تكن موجودة في الكتاب المقدّس، أمثال: “الثالوث”، “الأقنوم”، “الطبيعة”، “الجوهر”، “المساوي في الجوهر”، “الخطيئة الأصلية”… ولا تزال الكنيسة إلى اليوم وحتى الأبد، وبهبوب الروح القدس، تسعى أن يكون إعلان إيمانها منثقفاً مع واقع كل عصر لأن الإيمان الغير المفهوم لا يمس القلب، وبالتالي يصبح اتّباعه عبودية.

خاتمة

يقول اللاهوتي المعاصر الشهير بلتزار: “ليست الأمانة للتقليد على الإطلاق أن نكرّر ونبلّغ القضايا اللاهوتيّة حرفيّاً، بل هي بالأحرى أن نقتدي، عند آبائنا في الإيمان، بموقف التفكير الحميم ومجهود إبداع الجريء، وهما تمهيدان لا تستغني عنهما الأمانة الروحيّة الحقيقيّة” (6) .

هذا هو الموضوع الأول من سلسلة المواضيع المطروحة من قِبل حضرة الأب بسّام آشجي في الدورة التدريبية الأربعين لأعضاء جمعية التعليم المسيحي بحلب .

 

 

 

 

 

 

 

  1أنظر: المطران كيرلس بسترس، المطران جوزف عبسي، الأب حنا الفاخوري، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المكتبة البولسيّة 2001، ص5. (هذا الكتاب مرجع هام).

  1. BERTHOLD ALTANER, Précis de Patrologie, Paris, Mulhouse, 1961, p. 31. 2

  3أنظر: الدكتور أسد رستم، آباء الكنيسة، الجزء الأول، هدية مجلة النور سنة 1961، المقدّمة ص 3-10

4  المرجع السابق، ترجمه بعنوان: “مختصر علم آباء الكنيسة”، الأب د/ كامل وليم، القاهرة، الجزء1، ص4

5  راجع المقالة القيّمة للأب جوزف بوحجر اليسوعي، “تقليد آباء الكنيسة: هل هو ميراث أم موعد”، المشرق، الجزء الأول 1999

6  نقلاً عن: أدَلبيرت-ج. همّان، دليل إلى قراءة آباء الكنيسة، ترجمة الأب صبحي حموي اليسوعي، دار المشرق، بيروت2002، ص4.