”ألاصغاء ألى صرخة الفقراء ”

الإصغاء إلى صرخة الفقراء

         «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأنادي للأسرى بالحرية، وللعميان بعودة البصر إليهم، لأحرر المظلومين وأعلن الوقت الذي فيه يقبل الرب شعبه» (لوقا 4: 18-19).

         بقراءة هذا النص الكتابي، المأخوذ من كتاب النبي إشعيا، يسوع يستهل كرازته في الناصرة. هكذا يرسم خطة خدمته في بدايتها. في قلب مشروعه الرسولي هناك الفقراء، الأ فضل، هناك الإنسان في جميع أشكال الفقر التي تذله، عوز، عبودية، اضطهاد، كآبة، يأس، عزلة، أمراض وبؤس من كل جنس.

         يسوع المسيح يؤكد انه “مكرّس” لكي يجلب التحرير لـ”هؤلاء الناس”، ليعيد إليهم كرامتهم البشرية.

         متجولين في صفحات الإنجيل يمكن التحقق كيف أنه كان أميناً لرسالته. من أجل “هؤلاء البشر” عاش، من أجلهم بذل حياته.

         كل “دعوة” هي “تكريس”، من جانب الله، من أجل اقتسام ومواصلة رسالة يسوع.

         مع ذلك كل “مدعو” يمكن ويجب أن يطبق على نفسه كلمات النبي إشعيا.

         عندما ينادي الله، في الحقيقة، يوكل دائما “مهمة” من أجل البشر. هذا هو منطق الدعوات في الكتاب المقدس، هذا هو الشيء المنتظَر من “الدعوة المسيحية”، مهما كان ال ظرف الحياتي الذي تظهر فيه.

         إلى إبراهيم يوكل الله مهمة أن يكون وسيط “بركة” الله لكل البشر. «فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض» (تكوين 12: 2-3).

         موسى يُدعى من قبل الله لتحرير إسرائيل من جور المصريين (خروج 3: 7-9)؛ يشوع يستلم مهمة قيادة إسرائيل إلى الأرض الموعودة (يشوع 1: 1-6)؛ مشابهة هي دعوة جدعون: «فالتفت إليه الرب وقال: أنا الذي أرسلك فاذهب بقوتك هذه وخلص بني إسرائيل من قبضة مديان»  (قضاة 6: 14)؛ إلى صموئيل يفوّض الله مهمة أن يكون نبياً، ناطقاً باسم الله لدى شعبه (1 صموئيل 3: 20-21)، وقاضياً، والياً لعدالة الله من أجل شعبه (1 صموئيل 7: 15-16)؛ داود أقيم “ملكاً – راعياً” للشعب و “وارثاً – ناقلاً” لوعود الله (2 صموئيل 5: 2؛ 7: 9)؛  كذلك الأنبياء، المربون الكبار لشعب العهد القديم، يستلمون مهمة تحرير إسرائيل من كل أشكال العبودية الأخلاقية، الروحية والوثنية.

         نفس المنطق يتكرر في دعوات الرسل. يسوع يدعو التلاميذ إلى “إتّباعه” لكي يكونوا “صيادين للبشر” (مرقس 1: 17)؛ ليرسلهم “للكرازة”، لإعلان “الخبر السار” إلى كل البشر (مرقس 3: 14؛ متى 28: 16-20)؛ يرسلهم «ليبشروا بملكوت الله ويشفوا المرضى» (لوقا 9: 2). تماماً خلال التأمل في بؤس وعزلة الـ”جموع”، يسوع يطلب من رسله “أن يصلّوا” إلى رب الحصاد لكي يرسل عمالاً إلى حصاده (متى 9: 36-38).

         كاتب الرسالة إلى العبرانيين، متكلماً عن الدعوة الكهنوتية، يقول بوضوح «فكل رئيس كهنة يؤخذ من بين الناس ويقام من أجل الناس في خدمة الله، ليقدّم القرابين والذبائح تكفيراً عن الخطايا» (عبرانيين 5: 1).

         البابا  في أحاديثه، منذ بداية حبريته، أكد دائماً أن “حياة الكنيسة هي الإنسان”. هذا يعني أن الكنيسة تحقق رسالتها في التاريخ عائشةً قرب الإنسان ومن أجل الإنسان.

         هكذا يصبح واضحاً كيف أن كل دعوة في الكنيسة لها دائماً مهمة خاصة وأصيلة لتمارسها من أجل الإنسان.

         إختيار الفقراء إذن يبقى لكل الدعوات، على مثال المسيح والكنيسة، “ذا أولوية”، لأن على أتباع المسيح أن يكونوا حاضرين هناك حيث البشر لهم إحتياج أكثر. كيف نربي الفتيان والشباب مسيحياً، اليوم؟ ليس فقط بتدريسهم مبادئ تعليمية، لكن محسّسين إياهم نحو الحاجات الحقيقية للاخوة، جاعلين إياهم يدركون أن الحياة المسيحية تعبّر عن نفسها من خلال الإهتمام بحاجات القريب، إلى حد القدرة على وضع الحياة الشخصية تحت تصرف الآخرين، وخاصة الأكثر فقراً.

حديث مشابه ينبغي عمله حول الدعوات ذات “التكريس الخاص”. تكريسهم من جانب الله يقوم تماماً على أن يكونوا مخصصين “من أجل البشر”.