إفتقاد مسيح الله الرحيم

إفتقاد مسيح الله الرحيم
العمل الإجتماعيّ في إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل[1]

مقدمة

يتميز إنجيل لوقا بإعطائه بُعدًا إنسانيًّا عميقًا لشخص يسوع المسيح. نجد، في صفحاته، يسوعَ يتألّم مع المتألّمين (لو 7: 13؛ 9: 58؛ 2: 7. 24) ويلتزم إلى أقصى حد  بمنح الإنسان وضعًا أفضل  في الحياة، وإن كان هذا يتضمّن تسليم حياته من أجل خدمة الآخرين (لو 9: 22-26). يُظهر القديس لوقا في إنجيله وفي سفر أعمال الرسل إهتمامًا خاصًّا بمعالجة موضوع الخدمة والإقتراب من الفقير والمحتاج والمغتمّ أكثر من أي كاتب آخر في العهد الجديد.

يقدم إنجيل لوقا في هذه الدورة التدريبية  حول “الخدمة الرعائية للمساجين” ليس فقط قدوة المسيح في أعماله، بل أيضًا رؤية جديدة للكون تدعو إلى تغيير جذريّ في علاقتنا مع القريب. يبني إنجيل لوقا هذا التغيير على مفهوم إلهٍ أب رحيم يرسل ابنه بعزم لتأسيس ملكوته بين الذين آمنوا ويتماثلون بأعمال رحمته. يا ترى ما قصد لوقا بذلك؟

بين البشارة ومجمع الناصرة

في مستهلّ تأسيس ملكوت الله، يلتزم يسوع رسميًّا أمام الله وأمام جماعته في مجمع الناصرة بأن يسلك بحسب الأسفار المقدسة (لو 4: 16-22) ويقدّم نفسه كأداة لله لكي “يبشّرَ المساكين ويشفيَ المنكسري القلوب ويناديَ للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر ويرسلَ المنسحقين في الحرية ويكرزَ بسنة الرب المقبولة”  (أش 61: 1-2). بدى ليسوع أن هذه القراءة قد تمّت لأنه هو مَن قرّر أن يسلك بحسبها، وهو لا يتراجع عن كلامه، خصوصًا وإن كلامه مقترن دائمًا بالفعل. وهذا ما نجده في نص الإنجيل.

وقد يسأل القارئ أين يرتبط هذا المقطع الإنجيليّ بمفهوم الرحمة. إنه وارد ليس فقط في سفر أشعياء حيث يوصَف عمل الله الفدائي هذا كثمار رحمته (أش 63: 7-9. 16)، بل أيضًا في النشيد “تعظّم نفسي الرب” (لو 1: 46-55 وخصوصًا في الآيات 50-55)، الذي هدف لوقا من خلاله إلى تقديم يسوع على أنّه ليس كسائر الأنبياء، بل ذاك الذي يحقّق افتقاد الله الرحيم النهائيّ لشعبه المظلوم والمتعَب من الخطايا والفوضى. من هنا تقول العذراء:

“… ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتّقونه. صنع قوّة بذراعه شتّت المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتّضعين. أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين. عضد إسرائيل فتاه ليذكر رحمةً كما كلّم آباءنا لإبراهيم ونسله إلى الأبد.” (لو 1: 50-55)

ويلحق لوقا بنصه نشيدًا آخرًا (“مبارك الرب” في لو 1: 67-79) على فم زكريا يؤكد من خلاله أنّ عمل الله الخلاصيّ مبنيّ على الرحمة، تلك التي يهبها ليس لمن يعتبر نفسه مستحقًّا لها على أسس بشريّة بل لمن هو جالس “في الظلمة وظلال الموت” وينتظر المسيح ليضيئ عليه ويهديه في طريق السلام (لو 1: 79).

العظة في السهل

إن تعليم ملكوت الرحمة يجد أوج التعبير عنه في العظة في السهل حيث يدوّن لوقا أوّل خطاب يسوع أمام التلاميذ (لو 6: 17-49)، وخصوصًا في الدعوة “كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم” (لو 6: 36) التي يعلن يسوع فيها مبدأ الإقتداء بالله (Imitatio Dei) ويلزم من خلالهاكل مستمع إليه بأن يسلك بحسب هذا التعليم. وهذا بحق وواجب لأنّ الله حسب العظة في السهل قرّر أن يهب الملكوت لشعبه الفقير، الجائع، الباكي. قرّر الله ليس فقط ألا يدين وأن يعطي للذين بسبب رجائهم لا يدينون ويعطون، بل قرّر أيضًا إعطاءهم أجرًا لا يُحسَب ويتجاوز حدود كل مكافأة عادلة (راجع لو 6: 38). قرّر الله إعطاءهم “نعمته” (باليونانية:    charisفي لو 6: 32. 33. 34) كـ”أجر” (باليونانية:  misthosفي لو 6: 23. 35) لكي يصيروا أولاده، أبناء وبنات العليّ. قرّر الله أن يمنح الإنسانَ وضعًا جديدًا، إذ فتح له أبواب مسكنه (لو 14: 21-23؛ 15: 4-7) لكي يتصرف فيه كأهل البيت. لا مهرب للإنسان إزاء هذا اللطف. وإذا قبل الإنسان هذه الدعوة الإلهية، فعليه أن يتصرّف كما يليق. مَن قبل، على سبيل المثال، أن يسكن في هولليوود، يقبل حتمًا التعايش مع عالم السينماء بما يعني الممثلين والمخرجين ومنتجي الأفلام مع كل عاداتهم وغرابة أطوارهم. هكذا أيضًا، من يقبل الدعوة إلى أن يكون ابن العلي، يجب عليه أن يتعلم سلوك هذا الإله الغريب. عليه أن يتعلم الغفران وجعْل مناسبات الإهانة والشتائم مناسباتٍ للبركة وللإحسان (لو 6: 27-29)، عليه أن يتعلم الإعطاء دون أن ينتظر أي مقابل والإعتناء بالفقير والجائع والباكي. خصوصًا إذا كان من يدعو إلى بيته يصف نفسه بلقب ذي سلطة كلقب “أب” ويسمّي المدعوين بلقب يوحي بالطاعة كلقب “أبناء”. في وضع كهذا يجب على المدعوين أن يُطيعوا قوانين الذي يسود على البيت وأن يتعلموا منه. القديس بولس الرسول يبني على هذا المبدأ تعريفه لله كـ”القادر على بناء البيت” (باليونانية: o   dynamenos oikodomesai) وكـ”القادر على إعطاء الميراث” (باليونانية: o  dynamenos dounai ten kleronomian ) للمقدّسين (أع 20: 32).

زمن الإفتقاد

هناك عدد لا يحصى من المقاطع في لوقا وأعمال الرسل التي تفسَّر على ضوء العظة في السهل. لنأخذ أولاً مقطعًا ملاصقًا لها: إقامة ابن الأرملة التي من نايين (لو 7: 11-17). هنا يُري يسوع بشكل مثاليّ كيف يطبَّق ما قام بتعليمه. لا ريب أنّ الأرملة ترمز إلى الإنسان الفقير وخصوصًا بعد فقدان ابنها الوحيد. تأتي أرملة نايين باكيةً كضحية ظلم رهيب، مضطهَدة من جَور الموت. إزاء هذا المشهد المثير يضطرّ يسوع إلى أن يتدخل ويخلّص هذا الإنسان. والجمع الذين شهدوا عمل السيد هذا يعطون للقارئ التفسير الإيمانيّ الصحيح بتمجيدهم الله والقول “قد قام فينا نبيّ عظيم وافتقد الله شعبه” (لو 7: 16). نرى في نايين أن ملكوت الرحمة قد بدأ يعمل على الأرض.

إنّ إنجيل لوقا يعرض كل أعمال يسوع كإفتقاد إلهيّ مليء من الرحمة و الإحسان. هذا هو الإفتقاد (باليونانية: episkope -لو 19: 44 – وبالعبرية القديمة: phekudah) الذي تكلم عنه زكريا في نشيده لما قال: “مبارك الرب إله إسرائيل لأنّه افتقد وصنع فداءً لشعبه وأقام لنا قرن خلاصٍ في بيت داود فتاه. كم تكلّم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر. خلاص من أعدائنا و من أيدي جميع مبغضينا. ليصنع رحمةً مع آبائنا ويذكرَ عهده المقدّس … بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المُشرق من العلاء ليضيءَ على الجالسين في الظلمة وظلال الموت لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام” (لو 1: 68-72. 78-79). وما يعلنه زكريا بإيمان ورجاء سيتمّمه يسوع في كل إنجيل لوقا وخصوصًا في القسم المدعوّ “كتاب سفر يسوع” في لو 9: 51 – 19: 48 حيث يبقى يسوع دائمًا “على الطريق” (باليونانية:   en te odoلو 9: 57؛ 19: 36. راجع أيضًا لو 10: 38؛ 13: 22؛ 17: 11؛ 19: 28) أي على طريق السلام والذي في نهايته يُلقَّب بزمن الإفتقاد (لو 19: 44).

يقدّم يسوع في مثل السامريّ الشفوق (لو 10: 25-37) تذكيرًا بتعليم الرحمة بواسطة فنّ أدبيّ جديد. في بداية سفره إلى أورشليم يشير المسيح إلى أهمية التصرف الحكيم مع القريب من أجل إرث الحياة الأبدية أو الملكوت. والناموسيّ الذي يحاور يسوع كما يحاور التلميذ معلّمه (لا شك أننا أمام حوار توليديّ – maieutic – على نمط حوارات سقراط) يفهم تمامًا قصد المعلّم ولذلك لا يتردّد على أن يُثبت هوية الذي يعتني بالمظلوم والمحتاج كصانع أعمال الرحمة مع القريب (لو 10: 37). نعم، يقول يسوع، إن عمل الرحمة وحده يليق برجائك بالملكوت.

هناك وجه مهمّ في مفهوم إفتقاد الرحيم يجب ذكره الآن. وهو أنّ الرحمة الإلهيّة تتّجه حصريًّا نحو المساكين المظلومين. حسب إنجيل لوقا يُري الله وجهه الرحيم فقط لمن فعلاً ليس له إلا الله. أما الظالم، الغني، الكاذب والخادع فيسوع والله الآب – لا فرق بينهما في هذا الخصوص – يبقيان ذلك الأسد المزمجر من سفر عاموس الذي يدين ويقضي على أولئك المتمرّدين (عا 1: 2؛ 3: 8). ونجد مقاطع عديدة في الإنجيل تعالج هذا الموضوع ومن أهمها: مثل إلعازر والغني (لو 16: 19-31)، عظة يوحنا المعمدان (لو 3: 7-18) وحكم يسوع على رؤساء الشعب الكذبة (لو 20: 18ي. 45ي).

ملكوت الرحمة في سفر أعمال الرسل

بعد حدث العنصرة تنتشر بذور الملكوت في وسط جماعة المؤمنين. إنّ تلاميذ الرب الجالس على يمين الآب يشهدون الآن لرحمة الله ومحبّته لا من خلال العمل التبشيريّ والصلوات فقط، بل أيضًا من خلال معاملتهم للقريب (راجع أع 2: 42-47؛ 4: 32-35؛ 5: 12-16). أعمالهم هي أعمال ملكوت الرحيم. انظر مثلاً شفاء الكسيح على الباب الجميل (أع 3: 1-10)، أو إقامة طابيثة التي  من يافا (أع 9: 36-42)، أو شفاء الجارية المعذبة من الأرواح (أع 16: 16-18). من يرى في هذه المشاهد ثمار نموذجية على انتشار بذور ملكوت الرحمة لا يستغرب طرح لوقا الكتابي القائل بأنّه لم يكن في الجماعة الأولى محتاجًا لإنّهم كانوا يطبّقون تعاليم إلههم وربهم الذي له وحده الملك. وأقول إن هذا الطرح هو كتابيّ بحت لأنّ هذا هو المقصود في تأسيس “سنة الإبراء” المشرّع في تث 15: 1-11 (باليونانية: e tos tes afeseos) والذي أعلنه يسوع في لو 4: 19 كـ”سنة الرب المقبولة” على أساس قراءة من أش 61: 1-2 (باليوناينة: eniauton kyriou dekton). بعد قيامة المسيح تُفتَح سنة الرب المقبولة في وسط جماعة المؤمنين إلى إنقضاء الدهور، إلى أن يأتي ثانيةً ويردّ كلّ شيء إلى نظامه الأساسيّ كما تكلم عنه بفم الأنبياء (أع 3: 21؛ راجع عا 9: 11؛ إر 24: 6؛ حز 17: 23).

خاتمة

حسب  إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل نحن واقفون في هذه المرحلة من عمل الله الخلاصيّ: نحن بين المسيح الذي زرع بذور الملكوت وكلّفنا بشهادته وبين المسيح الآتي نهائيًّا ليفتح لنا مساكن الله الآب. في هذا الزمن الحاسم تأتي أعمال الرحمة لا كخيار بل كواجب على المؤمنين.

وهنا التحدي الكبير لكل من يسمّى مسيحي ويقرأ إنجيل لوقا لأن الإعتناء بالقريب على ضوء الإقتداء بالله لا يتوقف عند تسديد الحاجات الأرضيّة إنّما هو وسيلة ليلتمس الشخص المحتاج محبّة الله ويتذوق مسبقًا ثمار الملكوت.

إن خدمة المحتاج تجعلنا نحن أيضًا نتذوّق الملكوت؛ لا لأنّنا نستطيع أن نأخذ دور الله، بل لأنّنا نرى ونفهم كيف عمل ولم يزل يعمل من أجل خلاصنا نحن. أمّا إذا كان إلتزام المؤمن بالقريب فعلاً مستوحىً من تعليم يسوع الميسح فلا يستطيع أن يقول إلا “قد عملنا ما كان يجب علينا” (لو 17: 10 راجع من الآية 7) ويرجو مجيئه المجيد.

معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتيّ
 دانيال عيّوش

 

[1] محاضرة ألقيت في الدورة التدريبية الثانية حول “الخدمة الرعائية للمساجين” المنظمة من قبل رابطة كليات ومعاهد اللاهوت في الشرق الأوسط (ATIME)، 21-25 شباط 2001، دار سيدة الجبل، فتقا، لبنان.