ارتباط العظة بالقداس

                                              عظة القدَّاس الإلهي          

ارتباط قراءات الإنجيل والعظة بالإفخارستيا:

كانت عظة الرب يسوع المسيح في مجمع الناصرة – التي وردت في إنجيل القديس لوقا (لو 4: 16-22) – هي التي أعطت المفتاح لِمَا كان آباؤنا في القرون الأولى يفعلونه في كنائسهم. ففي أثناء الليتورجية الإلهية كانوا يعظون على الأسفار الإلهية، هذه العظات التي تطوَّرت حتى ازدهرت في أيام العلاَّمة أوريجانوس.

ويُعتبر قدَّاس الموعوظين أنه القسم الكرازي أو التعليمي من القداس، أما قداس المؤمنين فهو القسم الذي تتم فيه الشركة الإفخارستية. إلاَّ أن الرب يكون حاضراً في كل منهما جاعلاً منهما وحدةً واحدة، لأن لكل منهما طقساً يجعلنا نتقابل مع ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ويمكن إدراك ملء العبادة المسيحية عندما نفهم أن المسيح الكلمة سواء المنطوقة أو في ظهوره السرِّي في الجسد والدم موجود كل منهما في الآخر، وهكذا يتمم كل منهما وظيفته السرائرية.

وفي التقليد الأرثوذكسي نجد أن خدمة كل من ليتورجية الكلمة للموعوظين وليتورجية الأسرار للمؤمنين، إنما هي طقس شامل يشير إلى وحدتهما من الناحية الجوهرية. فليتورجية الكلمة يُقصَد بها تقديم فصول القراءات الإنجيلية لشعب الكنيسة، وليتورجية المؤمنين لإتمام ذبيحة الإفخارستيا. ولكي تؤدِّي الليتورجية الإلهية الغرض منها، فمن الضروري عدم الفصل بين الكلمة “المسيح” وسر جسده ودمه. وعظة القداس – لو أُلقيت على أصولها – يمكنها أن تُبرز الوحدانية بين الليتورجيتين، فهي قسم حيوي من القداس، وتُعتبر كأنها عمل سرائري. وكونها موضوعة بين قسمَي القداس، فهي تربط الكرازة الإنجيلية بالإفخارستية الإنجيلية، وموضوع كل منهما واحد هو شخص المسيح. ولذلك يجب أن ندرس الأسس التي ينبغي أن تُبنَى عليها عظة القداس لكي تؤدِّي وظيفتها والغرض منها.

إن مجال الليتورجية الذي يدخله شعب الكنيسة، يدعوهم إلى المشاركة مباشرةً في شخص الله الكلمة، إذ يسمعون كلمة الله يُكرَز بها في اجتماعهم، ثم يتناولونها بشركتهم في جسد المسيح ودمه. وإذ يكون المسيح المصلوب مرفوعاً أمام عيونهم (غل 3: 1)، تدعو الكنيسة الذين يريدون أن يتبعوه أن يُشاركوا في سر الإفخارستيا؛ فهي تجتذبهم إلى الإحساس بحضور الرب المتجسِّد الذي يكرز به الرسل في قراءات الإنجيل، وتحثهم على اتخاذ موقف في حياتهم على أساس كلمة الله. إنها تدعو المصلِّي أن يأخذ كلام الإنجيل بجدِّيـَّة: إن شخص المسيح وآلامه وقيامته التي قُدِّمت لأجله هو شخصياً، إنما هي رسالة الإنجيل الذي يُتلَى في قداس الموعوظين.

وظيفة الطقس الليتورجي هي أن تجعل مسيح الإنجيل حاضراً وسط المجتمعين. والإيمان بربوبية المسيح على القلوب، إنما هو هدف كل كرازة مسيحية وكل روحانية وطقوس ليتورجية. وهذا ما يتفق مع قول القديس باسيليوس: “ففيما نحن أيضاً نصنع ذكر آلامه… نقرِّب لك قرابينك…” (القداس الإلهي).

وتصوِّر الكنيسة المسيح ليس باعتبار أنه فقط هو الذي مات لأجلنا في الماضي، بل باعتبار أنه هو الرب في مجيئه الآتي. فقواعد اللغة في هذه الصلاة المذكورة أعلاه تجعل من الواضح أن هذا المجيء الثاني قد تم بالرجاء. فمجيء المسيح إنما هو حقيقة حاضرة، ونوجد نحن خاضعين لدينونة هذا المجيء الآتي منذ الآن. فإن كانت الليتورجية تكرز بإنجيل المسيح بكل ملئه، فهي ينبغي أن تستعلن المسيح وكلمته لشعب الكنيسة، وتُقدِّم لهم الأساليب التي تشير إلى ملكوت الله باعتبار أنها هي التي يعيشون بها حياتهم.

البنية الأساسية لشعب الله:

قام شعب إسرائيل القديم حينما دُعِيَ للخروج من عبودية مصر، وتثبَّت عهد الله معه عند سفح جبل سيناء عندما استلم كلمة الله. إن الله لم يحرِّر هذا الشعب فحسب، بل إنه وضع له كيانه عندما منحه كلمته. وهكذا ختمه بجعله شعباً خاصاً بيهوه دون أي إله آخر، وهذا هو عهد ناموس موسى: العهد القديم، أي أنه خُتم بكلمة الله. هكذا أيضاً في ليتورجية العهد الجديد، فإن دعوة الله لعبادته وكلمته التي يُكرَز بها في القراءات الإنجيلية وعظة القداس والآيات الكتابية المرتبطة بنص الصلوات الليتورجية؛ كل هذا هو الذي أنشأ البنية الأساسية لجماعة العابدين وعلاقتهم بالله. وقد خُتمت هذه العلاقة بسر الإفخارستيا الذي هو العلامة المحسوسة الدالة على عضوية شعب الله في جسد الرب.

شعب الكنيسة إنما يجتمع حول التعاليم الرسولية التي تبقى هي المعيار الرئيسي لكيانه. والتجمُّع الإفخارستي للمؤمنين هو الذي يختم على كيان كل معمَّد، إما بالكلمة المنطوقة، أو بالجسد المكسور اللذين للمسيح الواحد الذي هو القائد الوحيد للكنيسة ومصدر حياة أعضائها. ولنا مثال على ارتباط عظة القداس بالسر المقدس في سفر الأعمال القائل: “وفي أول الأسبوع، إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً، خاطبهم بولس… وأطال الكلام إلى نصف الليل.” (أع 20: 7)

لقد قَبـِلَ إسرائيل في القديم خلاص الله لهم من عبودية مصر، كما قبلوا الناموس الذي جعلهم تحت سلطان الله، ولكنهم عندما تعدُّوا هذا الناموس حلَّ عليهم غضبه ودينونته، والذين دنَّسوا عهد الله استُؤصلوا من بين الجماعة. هكذا أيضاً في كل قداس، فإن اشتراك المسيحيين في سر الإفخارستيا يضعهم تحت سلطان كلمة الله، وبالتالي يُقدَّم لهم الخلاص وينذرهم بحكم دينونة الله. فعندما نقترب من جسد الرب ودمه، نكون قد سمعنا كلمة الله، ونكون قد قرَّرنا موقفنا إن كنا نسعى إلى دوام عضويتنا كرعية مع القديسين وأهل بيت الله.

قال الرب لتلميذيه: “أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا”؟ فإذا كانت إجابتنا: “نستطيع” (مت 20: 22) واشتركنا في الإفخارستيا؛ حينئذ نكون مسئولين أمام الله عن أفعالنا إن فشلنا في تنفيذ وصاياه، لأننا سلَّمنا أنفسنا لتحقيق كلمة الله في حياتنا.

لقد وُضعت عظة القداس بين قراءات الإنجيل وتقديس السر، لكي تشجِّع المجتمعين على فكِّ القيود التي تربط قلوبهم بعبودية المتطلبات الدنيوية وتوجِّه انتباههم نحو ملكوت الله. فالعظة، بتوضيحها للقيمة الحقيقية للممارسة الليتورجية، تلعب دوراً حاسماً في تحديد استجابة شعب الكنيسة لاختبار كلام الإنجيل المقروء أثناء الليتورجية. ومن داخل الليتورجية – التي ينبغي أن تكشف العظة عن أعماقها – يتغذَّى المؤمن بكلمة الله.

مهمة عظة القداس:

مهمتنا هي الكرازة بالإنجيل وتوضيح معانيه لجماعة المصلِّين، وهي فِعلٌ ليتورجي بالكامل. وكيف ذلك؟ الإجابة: هي في فحص وضع العظة داخل القداس. إنها تتبع قراءات الإنجيل، وذلك حسب التقليد الذي انحدر إلينا منذ منتصف القرن الثاني على الأقل. ولأن العظة تشهد لكلمة الله، فقد وُضعت داخل القداس الذي يُعطينا الكلمة الإلهي من على المذبح. ويؤيد القديس الشهيد يوستينوس ذلك بقوله:

[في يوم الأحد يوجد اجتماع… حيث يُتلى ما كتبه الرسل والأنبياء حسبما يسمح الوقت. وبعد ذلك يحثنا قائدنا في حديث (أي عظة) ويدعونا أن نتشبه بتلك الأمور النبيلة. ثم نقف جميعاً معاً لنرفع صلوات، ثم يؤتَى بخبز وخمر وماء، ويرفع القائد صلوات وتشكُّرات بقدر استطاعته، ثم ينال كل واحد هذه القرابين بعد تقديسها، كما أنها تُرسَل للغائبين مع الشمامسة.]( )

فالدور الذي تؤدِّيه العظة في شرح كلام الله يجعلها جزءًا أساسياً من ليتورجية كلمة الله، وهذا يجعلها غير منفصلة عن الشعائر الطقسية لسر الإفخارستيا. ويرسل روح الله في العظة كلمة لمنفعة المستمعين بصفة خاصة بواسطة الواعظ، وهي تهدف إلى جحد المستمعين لأي رضا ذاتي عن أنفسهم، كما أنها تُشير للسامعين إلى أن حياتهم تتطلَّب إصلاحاً وتجديداً مستمراً، وأن أفعالهم تقع تحت حكم دينونة الرب الآتي. فمن أهم وظائف العظة هي أن يتعرف شعب الكنيسة على الرب وأن يميِّزوا جسد الرب في السر المقدس. فكما نتقابل مع ربنا وفادينا في جسده ودمه نتقابل أيضاً معه هو ذاته في كلمات الوعظ.

وفي مفهوم القديس بولس العميق للارتباط بين الإفخارستيا وكلمة الله، يوضح استياءه من بعض مؤمني كورنثوس الذين لا يُنفِّذون وصايا الإنجيل الذي سلَّمه لهم، كما يظهر في تصرفاتهم أثناء العشاء الرباني؛ وهكذا يرى أنهم صاروا “مجرمين في جسد الرب ودمه” (1كو 11: 17-34). فلأنهم لم يبالوا بكلمة الله لم يمكنهم أن يميِّزوا جسد الرب عندما يقتربون إلى مائدته. فالمؤمنون يجب أن يروا المسيح في الإفخارستيا بواسطة الكلمة التي بُشـِّروا بها، وإلاَّ فإنهم لن يميِّزوا جسد الرب المقدَّم ذبيحةً لأجلهم.

كما أن وضع العظة بعد القراءات الإنجيلية يزوِّد المؤمنين بفرصة ممتازة لكي ينتفعوا من تعليم الإنجيل في تغيير قلوبهم. فالعظة ينبغي أن تزرع في قلوب السامعين بذار الإنجيل الذي سمعوه بعناية، حتى حينما يقتربون من العلامة المحسوسة لكلمة الله أي جسد الرب المكسور ودمه المسفوك، يتعرَّفون على ربهم: “فلما اتَّكأ معهما، أخذ خبزاً وبارك وكسَّر وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما. فقال بعضهما لبعض: ألم يكن قلبنا مُلتهباً فينا، إذ كان يُكلِّمنا في الطريق ويوضِّح لنا الكتب” (لو 24: 30-32). فكلمة الله وشرحها في العظة يُعلنان الإفخارستيا في معناها وقوتها. ورسالة الإنجيل، إذا عشناها، تكون هي وحدها الفعَّالة في السماح لنا بالاشتراك في ذبيحة المسيح.

إذا نظر المرء إلى نفسه بإخلاص وقاسها على ضوء كلمة الله، تصير نقائصه واضحة وتبرز حاجته إلى التوبة عن خطاياه التي صار واعياً لها. والإنسان لا يكون دائماً واعياً لأفكاره إن كانت خاطئة أم صحيحة، فالعظة الفعَّالة تكشف له خطاياه التي يرتكبها دون معرفة، وبالتالي تكون التوبة عنها هي التي تفتح له أبواب الملكوت. وكأس الإفخارستيا لا تحاسب المشاركين فيها فقط بسؤالهم: “أتستطيعون أن تشربوا الكأس التي سوف أشربها أنا”؟ ولكنها أيضاً تؤكِّد لهم أنهم سيقومون في اليوم الآخر (يو 6: 54). هكذا أيضاً العظة ينبغي أن تُقدِّم الخلاص المفرح للذين يتوبون، حيث إن الذين يوفون نذورهم للرب يتناولون كأس الخلاص: “ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو. أوفي نذوري للرب” (مز 116: 12-14). فالتوبة والخلاص هما عمودا الإنجيل، والعظة التي تبشر بالإنجيل يجب أن تتضمن كلاًّ منهما.

مضمون عظة القداس:

يجب أن تُبنَى عظة القداس على ما تتضمنه قراءات الإنجيل الخاصة بقداس اليوم وتشرحها، حيث إن الكنيسة اختارتها بعناية بحيث يدور محورها حول مضمون إنجيل القداس. ومع ذلك فيُستحسن أن يَقرِن الواعظ ذلك بأمثلة من الليتورجية أو سِيَر القديسين أو المبادئ الروحية التي تعلَّمناها من الآباء، كما يستخدم أمثلة قصصية من أحداث الحياة اليومية بحيث تؤيد ما تتضمنه قراءات اليوم. فكل ذلك يثير انتباه السامع بما يطبع في ذهنه أثراً ربما يدوم على مدى حياته كلها. كما أنه يجب عليه أن يُدعِّم في أذهان السامعين العلاقة بين كلمة البشارة وسر الإفخارستيا. فالهدف الليتورجي من العظة هو توجيه القراءات الإنجيلية نحو إكمال تحقيقها في الإفخارستيا، على أن يُراعي الواعظ جمال الأسلوب وحيويته وعدم الإسهاب، فيُركِّز على موضوع واحد حتى لا تتشتت الأفكار، وبذلك يغرس في النفوس رسالة تبقى فيها عندما تتقدم للتناول. وبالطبع، فإن روح العظة ينبغي أن تُلائم الجو الذي يعيش فيه شعب الكنيسة.

وبحسب قوانين الكنيسة وتقاليدها الأصلية، يجب أن الذي يقوم بمهمة الوعظ تكون له إحدى الرتب الكهنوتية الثلاث: الأسقفية، أو القسوسية، أو الشموسية؛ وذلك لأن أي خادم له إحدى تلك الرتب يكون مشهوداً له من شعبه، أن روح الله هو الذي يتكلَّم فيه عندما يعظ. وكأن الواعظ وهو على المنبر يمثـِّل الكاهن الأعظم الرب يسوع المسيح الذي يُقدِّم الذبيحة، ثم يُقدِّمه كذبيحة على المذبح؛ لكي يشترك فيه المؤمنون لأجل خلاصهم. فهو يُزيل البرقع الموضوع على كلمة الله، ويكشف عن نور المسيح الكلمة بعظاته التفسيرية.

ومن أوضح الأمثلة على اهتمام الواعظ بعظة القداس – كما رأيناها في تراث الآباء – نجدها في عظات القديسين أوغسطينوس وأمبروسيوس ويوحنا ذهبي الفم وغيرهم. ويهمنا أن نشير إلى أن القراءات الكتابية والعظة هما اللذان يضعان الأساس لربط السامعين بالخدمة الليتورجية حتى يمكنهم الدخول في الشركة مع الله والبقاء فيها. وعلى الواعظ أن يكفل بقاء الخيوط التي تربط كلمة الله بالسر المقدس منسوجة بإحكام، وذلك لكي يبقى الرب يسوع دائماً هو الرب والسيِّد المتملِّك على قلوبنا وأذهاننا وتصرفاتنا.