الايقونة القبطية

الايقونة القبطية
o المقدمة
بعد أن أكملنا بمشيئة الرب وعونه هذا البحث عن كيفيه قراءة الأيقونة لارتباطها الوثي بعقائد و تقاليد الكنيسة وطقوسها باستعانتي بكتاب كيف تقرأ الأيقونة للراهب إيليا الأنبا بولا فاستخلصت هذه الوريقات لتعريف الأيقونة وكيفيه قرأتها وذلك لأهميتها ولاستخدامها في الكنائس كوسائل إيضاح ومن خلالها تصل الوصايا العقائدية الايمانيه لغير المتعلمين من عامة الشعب لاعتقادهم أن الموضوعات الدينية المرسومة بها تحل محل الكلمة المكتوبة وهذا فيه تأكيد على القيمة التعليمية لتلك الأيقونات .
والأيقونة من خلال المرئي المرسوم فيها نرى الغير مرئي نرى الروح القدس في شكل حمامة ونرى الله في صورة أبنه المتجسد فتأخذنا من عالم الأرض إلى السماء ونجد أنفسنا على عتبة الملكوت فتجذبنا لأعماقها ونتمتع بسحر بهائها الملكوتى ونقف أمامها في خشوع ووقار تفاعل معها و نحس بها ونسمع لكلماتها وكأنها رسالة موجهة لنا عبر الأجيال.
إن الأيقونة كتاب مفتوح كُتب بعناية شديدة برموز عديدة وليس مكتوبا بأحرف وإنما بألوان وخطوط ورموز لها معناها ودلالتها الروحية العميقة وسنتعرف على بعض من هذه الرموز.

o نبذة تاريخية
في بداية نشأه الكنيسة الأولى كان يوجد صدام واضح بينها وبين الوثنية وبالتالي تولد نفور من جميع ما يسمى الوثنية من تماثيل أو غير ذلك من فنون مشابهة .
ومن أجل ذلك رفض المسيحيون الأوائل عباده الإمبراطور وامتنعوا عن تقديم أي تكريم له أمام أي تمثال أو صوره وخلافه لأن ذلك يعود بهم إلي الوثنية المبغوضه والمكروهة عندهم لدرجه أن من كان يعمل في الفن كان لابد من ترك وتغيير مهنته هذه قبل قبوله المسيحية حتى لا يتذكر الوثنية من خلال عبادته وعمله 0
وقد ساعد على هذا أن المسيحيين الأوائل اضطهدوا كثيرا من الوثنيين مما اضطرهم لاختيار أماكن عبادتهم في الجبال والمغائر والأماكن النائية البعيدة عن الوثنيين كذلك لم يفكروا أو يستعملوا أي رمز أو فن من رموز وفنون المسيحية حتى لاتدل على أماكن تجمعاتهم وينأون عن الاصطدام والاحتكاك بهم 0
ولكن كان هناك مسيحيون لديهم حساسية خاصه جدا ربما شئ داخلي يجعلهم يحسون بتغيرات رمزيه للروح الجديدة التي وجدوها في المسيحية 0
وقد بدءوا يرسمون صورا للعذراء أو يجسدون أحيانا بعض الأمثلة والقصص التى ذكرها السيد المسيح أو تلك التى ذكرت في التوراة والعهد القديم 0
وكمثال لهذا نجد أن الوثنيين رسموا شخص نائم تحت يقطينه – وهى عندهم تحكى اسطورة اله القمر الذي أنجب ولداً جميلً فأحبه وأراد له أن لا يكبر أو يشيخ فجعله نائماً تحت اليقطينه لتحميه 0
ولكن المسيحيين حولوا هذه ألا سطوره في مفهومهم إلي يونان النبي واليقطيينه – وقد تطورت أكثر فأكثر عند المسيحيين فرسموا على النحو التالي :-
في أحد أركان الأيقونة رسموا الحوت واليقطينه والسفينة وفى الركن الأخر رسموا يوحنا المعمدان يعمد السيد المسيح – وهذا يعنى أن في الركن الأول يونان النبي هرب في أتسفينه فطرح في البحر فابتلعه الحوت ( رمز للموت) 00 وأما الركن الآخر السيد المسيح نزل في نهر الأردن( رمز للدفن أي الموت) ثم خرج للحياة الجديدة 0
وهنا يتضح أن المسيحيين حولوا ما هو اسطوره وثنيه إلى قصه مسيحية وربطوا أيضا بين العهدين القـديم والجديد.

o القرن الخامس الميلادى
في بداية هذا القرن نجد أن الأيقونة تشير إلى شئ مستقبلي كالنبوءة مثلا- ومثال ذلك :-
في بعض الأيقونات التي بها السيدة العذراء تحمل الطفل يسوع نجد بها إنسانا مشيرا إلى نجم في السماء – وهذا النجم إشاره للنبؤه ؛ أي يتنبأ عن مصير السيد المسيح المستقبلي 0
ومنذ ذلك القرن تطور فكر الأيقونة وأصبح يصور حوادث كثيرة ومعجزات استشهاد الكثيرين 0 وقد استخدموا المسيحيين في رسمهم أشياء كثيرة لها رموز مسيحية منها :
 السفينــة : ترمز للكنيسة 0
 الطــاؤوس : يرمز للخلود وجمال بهاء الفردوس 0
 السمكــة : ترمز للسيـد المسيح – لآن الأحرف المكونة لهـذه الكلمة باليونانية هى ( اخثوس ) هي اختصـار للمعنـى يســوع المسيح أبن الله المخلص 0
 العنب أو الكرمة : ترمز إلى دم السيـد المسيح الذي يطهرنا من كل خطــــيه 0
أيضا صوروا ومثلوا سجود المجوس لخضوع الأمم الوثنية للأيمان المسيحي 0
وأيضا معجزه الخبز والسمك إشاره ورمزاَ لوليمة سر التناول ( الافخارستيا ) 0
وهكذا صارت الأيقونة شيئاَ عزيزا جداَ على المسيحيين تكرم وتقدس ويحملونها في المواكب والأعياد الرسمية والاحتفالات الدينية وأيضا في مواعيد تذكار استشهاد أصحاب هذه الأيقونات.
لآجل هذا تدشن بالميرون من يد الأب البطريرك أو الأب الأسقف حتى يحل عليها الروح القدس وتصبح الأيقونة مقدسة وتقدم أمامها البخـور.

o القرن الثامن الميلادى
في هذا القرن – وخارج مصــر- أعتبر البعض أن الأيقونات عوده مره أخرى للوثنه وبالتالي أصدر الإمبراطور ليو الثالث ( لاون) مرسوماَ بإباده وحرق جميع الأيقونات في الإمبراطورية البيزنطية ، وصارت حربا تعرف بحرب الأيقونات .
واصبح هناك فريقان – أحدهما مؤيد للإمبراطور وقراره والآخر معارض 0
واستمرت حرب الأيقونات ما يقرب من 120 عاما خارج مصر وذلك على فترتين من(726م – 787م ) ثم من عام ( 813م – 843م) وانتهت الحرب على يد الإمبراطورة أريني وانتصر المدافعون عن الأيقونة 0
هذه الحرب لم تشارك فيها مصـر أو الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عموما للأيمان العميق أن هذه العقيدة راسخة في الأذهان ولم يتطرك الشك لأي أحد من أبنائها في هذا الطقس الروحي الذي يرفعنا من الأرض إلي سماء المجـد 0
وبعد انتهاء جرب الأيقونات بدأت الأيقونة تأخذ في العالم كله مكانه راسخة في أذهان جميع المسيحية حتى الان0
وبدأ يكون لها لاهوت خاص بها ترتكز على دعامات ثابتة قويه في جذورها لها قوه في التكريم والتقــديس 0
وكثرت وتنوعت مدارسها ولكن حافظت على الجوهر الأصلي السليم وأصبح أسس فنية ومعان روحيه عميقة كانت سببا في إيمان كثيرين ، واصبح لها قصص معجزيه كثيرة في جميع الأنحاء .

o الايقونة
هي كلمه يونانية تعنى صوره ولكنها ليست كأي صوره عاديه بل لها صفات وتعريفات ورموز لها دلالتها ولها خاصيتها وخصوصيتها 0
كما أن الأيقونة القبطية فلسفة كنسية روحانية تساعد على ترسيخ الايمان و المعرفة فى الشعب.
وفى الاصطلاح الطقسى- الأيقونة تعنى صوره تمثل السيد المسيح أو السيدة العذراء أو القديسين أو الشهداء0
أو تشابه مشهدا مقدساَ وفقا لتأيد خاصه وأصول وقواعد يجب مراعاتها بدقه ، ورسامو وفنانو ، وصانعو الأيقونة ملتزمون بمراعاة تلك الأمور لكونها تعد تسليم آبائي موروث تحكمه العقيدة التقاليد والطقوس الكنسية المتفق عليها 0 فلا يملكون أضافه أو حذف أو تغير أي رمز من رموزها 0
والأيقونة لا تماثل أو تشابه لحظه مؤقتة قابله للزوال والانتهاء، كما إنها لا تماثل أمور وتفاصيل حياتنا العادية … أو الأشخاص بطبيعتهم الحقيقية المتعارف عليها .
كما أنها لا تسجل مناسبة معينه كأشخاص مجتمعين في حفل أو عرس أو ما شابه ذلك .
فالأيقونة اشبة بكتاب مفتوح حروفه وكلماته مكونه من ألوان وخطوط مختلفة لها معانٍ روحيه ولكي يستمر بقائها واستمرارية عملها يلتزم رسموها باستعمال مواد خاصة وقواعد وطرق فنية يتميزون بها في صنعها حتى لا يصيبها الفساد أو التشويه وهى تخضع للخيال الخاص بالفنان ولا لتجربته الشخصية بل يحكمها لاهوت و تقاليد وطقوس الكنيسة ومن خلال فنانين متخصصين مسترشدين في عملهم بمن سبقوهم من الفنانين المنشود لهم بهذا الفن الصادق المعبر.
كما انه لا تخضع للأبعاد الثلاثية (طول وعرض وعمق) لان ذلك يعطيها تجسيد وتجسيم جسدي بشرى فهي تخضع لبعدين فقط (طول و عرض ) وحكمه ذلك هو تجسيد الرؤية الحقيقية في الإيمان والرجاء .
والأيقونة تبحث وتؤكد ما لا يرى أي إننا نرى من خلالها ما لا يرى من المرئي المرسوم فيها “ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى بل إلى التي لا ترى لان التي لا ترى وقتيه وأما التي لا ترى فأبدية ” (2كو18:4) .
هنا وتحضرنا نظرية عن الفيلسوف أفلاطون الذي اعتبر أن العالم المرئي غير معتبر عنده أي غير هام بالنسبة له وإنما المهم والمعتبر في رأيه هو العالم الغير مرئي.
وحكمه هذه النظرية عند أفلاطون انه يجب علينا أن نعرف العالم الغير مرئي لكي نعرف بعد ذلك الملموس الواضح بيننا .
ويوضح نظريته من خلال هذا التشبيه :
” أناس يعيشون في كهف مظلم هؤلاء يجلسون ووجوههم أمام حائط الكهف وظهورهم ناحية مدخل الكهف الذي يدخل منه أشعه الشمس الساقطة على ظهورهم وهم بالتالي لا يروها لأنها خلفهم … ولكنهم يروا ظلهم أمامهم على الحائط الناظرين إليه … فإذا عبر حيوان أمام باب الكهف بالتالي سيقطع ضوء الشمس فيظهر ظله أو خيال هذا الحيوان فقط. هم لم يروه بل سمعوا صوته ورأوا ظله أمامهم فيتأكدون من وجود حقيقة هذا الشيء ” .
فمن هنا نعرف انهم لم يعرفوا العالم الخارجي ولكن هذا الظل أو الذي رأوه على الحائط بعيونهم أمامهم هي الحقيقة .
ومن هذا التشبيه يمثلنا أفلاطون بهؤلاء البشر في الكهف المظلم وهذه الخيالات أو الظل هي الحقيقة فالحقيقة هي العالم الروحي الغير مرئي وما نراه هو هذا العالم الغير مرئي .
أما من الناحية المسيحية :
من المعروف أن الله والملائكة غير مرئيين إلا أن السيد المسيح اخذ شكل جسد إنساني ونزل إلى عالمنا المرئي متجسداً فرأيناه .
” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الأب هو خبر ” (يو18:1) .
وبواسطة السيد المسيح له المجد سيأتي يوم ستكون لنا القدرة أن ننظر الغير مرئي .
أيضا الروح غير مرئية ولكن رأيناها في صورة حمامة نازلة من السماء على السيد المسيح وقت العماد في نهر الأردن … فالروح الغير مرئية رأيناها رؤى العين .
في الماضي كان الإمبراطور يحتجب وراء ستائر قبل أن يظهر للشعب أثناء حضوره معهم ، أي يكون غير مرئي ثم فجأة ترفع الستائر لكي يظهر الغير مرئي ليكون مرئياً أمامهم . فلذلك … في الفن المسيحي كانوا يرسمون السيد المسيح جالساً على عرشه داخل دائرة (ماندورلا) – والدائرة ترمز إلى الله الذي ليس له بداية ولا نهاية والى الأبدية الغير منتهية – وتوجد على جانبي الدائرة ستائر مفتوحة وملاكان يحملان هذا العرش في الهواء – لكي يثبتوا للشعب أن الغير مرئي اصبح مرئي أمامهم أي أن السيد المسيح بتجسده صار مرئياً للجميع ورأوا فيه الأب وسلطانه غير منتهٍ دائم إلى الأبد .
مما تقدم نجد أن الأيقونة تصور لنا الأشياء مرئية ولكنها توجه أنظارنا ألي العالم الروحي الغير مرئي والذي سنراه بعد أن نخلع هذا الجسد الكثيف الذي يحجب الرؤية عنا .
فالفنان الذي يرسم لنا الأيقونة يرسمها بإرشاد الروح القدس أي منقاد وموحى أليه بروح الله يأخذ الإلهام من يد الله فيأتي الرسم معبراً صادقاً لمدلوله … والأيقونة تجسد لنا الله المتجسد بجسد بشرى مرئي فهذا الجسد جدير بالتكريم ” الله ظهر لنا في الجسد “(اتى16:3) فالله الكلمة ظهر لنا بطريقة مكتوبة في الإنجيل وأيضا ظهر بطريقة مرسومة أو مصورة في الأيقونة عن طريق تجسده . ونحن حينما نرسم الله في الأيقونة نرسم الله بالصورة المرئية ولا نرسم الطبيعة الإلهية .
والأيقونة ليس لها التاريخ المعروف عند البشر كما أنها لا تعترف بالمسافات الفاصلة في الحوادث المختلفة … وكمثال لذلك … في دير القديس الأنبا بولا أيقونة فريدة ( يغلب عليها الطابع الفلسطيني ) مقسمة إلى أربعة مربعات متساوية في كل مربع نجد أيقونة مستقلة عن الأخرى … نجد من أعلى على اليمين ايليا النبي ثم بجواره في مربع على اليسار العذراء مريم ثم من اسفل على اليمين القديس ديمتريوس التسالونيكى وبجواره مربع على اليسار القديس جورجيوس وهو من اللد بفلسطين …. أربعة قديسين من أماكن مختلفة ولم يلتقوا من قبل أثناء حياتهم على الأرض … بل كانوا يعيشون في عصور مختلفة ومع ذلك التقوا معاً في الأيقونة .
فالأيقونة
تمثل همزة الوصل
بين النور الإلهي وروح الإنسان الساكن فيه

o كيف تقرأ الايقونة
عرفنا أن الأيقونة لا تخضع إلى المنظور العادي في الرسم ولا تخضع للا بعاد الثلاثية لان ذلك يعطينا تجسيم وتجسيد مدى .
ونضيف ونوضح :
عن الجسد :
أن الأيقونة لا تصور ملامح الجسد بوضوح إنما نشعر بوجوده من خلال ثنايا الملابس الوقورة التي تجعل أفكارنا تسمو لنرى الأجساد النورانية المقدسة الممجدة . فالملابس فضفاضة وكأنها أثواب من نور .
كما إننا نلاحظ في الأيقونة إنها لا توضح أو أي عرى للجسد ولا تفاصيل غير مرغوبة تثير الشهوة أو خلافه بل ترسم القديس في سكون الجسد (ليصمت كل جسد بشرى ) .
فالجسد البشرى هنا بلا شهوة أو رغبة دنيوية وهو جسد يقف في وقار وحشمة وهذا السكون يزيد تركيز على أعماق الروح ولكي لا نهتم بانفعالات أو ثورة الجسد الترابي ولكي لا يشغلنا عن حياة الملكوت وتلك الأجساد تكون بلا شهوة نحيفة طويلة وكأنها مشدودة إلى السماء فهم ليس من هذا العالم المادي يربون أجسادهم ويغذونها بل يذيبونها في حب الله وقامتهم الروحية العالية تشهد لهم بذلك حتى الجسد العاري على الصليب أو داخل نهر الأردن فليس فيه شهوة و أما الفن الذي يظهر هذا النوع من العرى الجسدي يسمى بالفن الإيطالي الشهير فهو يهتم بتشريح الجسد بدقة .
عن الأعين:
ترسم دائماً في الأيقونة متسعة متأمله .لكي توضح البصيرة الروحية ونرى بها ما لا يرى وتكشف لنا دائماً عن حب يشع من أعمال القديس وكان روحه هي التي تطل علينا من داخل الأيقونة .
الفـــم :
حينما يرسم الفم ترسم له شفاه رقيقة غير مكتظة باللحم أي غير سميكة وهى تسمى – شفاء لحياء – أي دقيقة رقيقة لأنها لا تحمل شهوة الجسد – ولم تخلق لذلك إنما للتمجيد والترنم والتسابيح فهذا هو عملها ولكي يعبر من خلالها الجسد والدم في سر الإفخارستيا لينير الجسد كله وتشتعل حرارة الحب الإلهي … فم صغير مغلق لان جسد هذا الفم لا يحتاج إلى أطعمه واشربه كثيرة لأنه اصبح روحياً ومهما تعددت الأحداث يبقى الفم صامتاً .. انه مطبق على سر الله … أما الابتسامة في الأيقونة فليس كما نعرفها تكشف الأسنان فهذا لا يليق لان الفرح ليس فرح الجسد الخارجي المرئي أمام الناس بل فرح داخلي حقيقي .
فالشفاه تكون مغلقة أو على الأقل تكون مضمومة لان أفراح الجسد وقتيه ولم تستمر طيلة العمر وإنما نحن نبحث عن فرح الروح الدائم إلى الأبد .
لذلك يكون الفم مغلقاً ليحفظ الكلام داخله ويكونوا كالعذراء مريم يتأملون بالأمور في قلوبهم .”و أما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام تفكره به في قلبها “.
الجبهة:
ترسم عرضة وعالية لتعكس حياة القديس التي يقضيها في التأمل في الإلهيات والدليل على الشموخ في الروحيات .
الوجــه:
يرسم دائماً وجه القديس متجهاً للأمام في وضع مواجه مع المتأمل للأيقونة لأن النظر وجهاً لوجه إنما يوجد علاقة قوية بين الناظر للأيقونة والقديس .
وكأن هذا القديس يرحب بالناظر إليه ويدعوه ليدخلا معاً إلى عالم الروح لينعما بنعيم أبدى .
كما إن النظرة المواجهة للمتأمل تعبر عن اهتمام روحي وشفافية خاصة يشعر بها المتأمل والناظر بعمق للأيقونة يشعر بإرتياح وسلام قلبي ينزع من داخله أي خوف أو قلق .
ولكن لابد أن يظهرا العينين معاً في الوجه أو عين واحدة مع جزء من العين الأخرى إذا كان وجه القديس سيلتفت يميناً أو يساراً.
أما الأشرار فيُرسَمون دائماً في وضع جانبي يظهر من جسدهم عين واحده فقط وهذا يعنى أن هذا الشخص غير روحى وينظر آلي الأمور بسطحية ولا مبالاة وينظر دائماً إلى أنصاف الحقائق ولا يعاين الحقيقة كاملة فهي نظرة تسبب قلق لم ينظر إليها كما يحس فيها المتأمل أو الناظر إلى الأيقونة بأن هذا الشخص سيبتعد عنه بعيداً وسيتركه ويكون بعد قليل لا شئ ويتلاشى من أمامه لذلك نجد الأشرار دائماً يرسمون هكذا بعين واحدة كيهوذا الأسخريوطى كالملوك الظالمين لانهم يمثلون الشر .
المكان:
أيضاً الأيقونة لا ترسم أو تصور حدث داخل حجرة مغلقة أي بين أربعه جدران – لان الأيقونة لا ترسم ثلاثية الأبعاد وإنها لا تخضع للزمان ولا المكان ولا للأمور الحسية الملموسة العالمية الفانية . إنما الأيقونة ما هي إلا نافذة مفتوحة نطل منها على الأبدية آلا نهائية وعلى الفرح الدائم .
الألوان:
نجد العذراء دائماً تلبس
الأزرق والأحمر والأبيض
اللون الأزرق أو السماوي :
لأنها السماء الذي حل في بطنها الله المتجسد فأصبحت سماء لهذا الابن وهذا اللون الأزرق يشير أيضا إلى الحق السماوي .
اللون الأحمر أو القرمزي :
هو لون معروف بأنه اللون الملكي لا يلبسه إلا الملوك والأباطرة والعذراء بالطلع تُلقبها الكنيسة بأنها الملكة و أم الملك فهي بذلك ترتدى اللون الأحمر القرمزي .
اللـــــون الأبيض :  
فهو رمز للطهارة ودائماً نجد أنها تلبس طرحه بيضاء على رأسها فهي العذراء الطاهرة النقية بلا دنس ولا غش .
اللــــون البنفسجي :
وهو اللون الوحيد الذي يرتديه السيد المسيح – لان الإمبراطور في عصره كان يلبس فقط هذا اللون فهو قاصر على الأباطرة والملوك فقط – لذلك يكون اللون البنفسجي أو الموف وهو المختص به السيد المسيح فقط.
اللـــون الأخضر :
هو لون ذو طبيعة خاصة لأنه يرمز للشر وذلك من أيام الفراعنة فلا يرتديه أي من القديسين بل يرتديه يهوذا الاسخريوطى أو نجعل هذا اللون على التنين الذي يحاربه القديسين أو الملوك الطغاة اللذين سقطوا صرعى تحت خيول القديسين كالملك الصريع تحت أرجل حصان القديس أبو سيفين .
” فنظرت وإذا فرس اخضر والجالس عليه اسمه الموت والهاوية تتبعه أعطيا سلطاناً على ربع الأرض أن يقتلا بالسيف والجوع والموت وبوحوش الأرض “(رؤ8:6)
الهالـة :
يجب أن توضع هالة صفراء لكل من السيد المسيح والسيدة العذراء والملائكة ولجميع القديسين حول رأسهم .
ولكن هالة السيد المسيح تكون أكبرهم حجماً فهي تبدأ من الكتف من المنكبين الذي يحمل عليه الخروف الضال ويرشده إلى الصواب والذي حمل عليه خشبه الصليب ليتمم الخلاص ويحررنا من خطايانا وهو بلا خطية ، و أحياناً نجد في بعض الأيقونات أن هالة السيد المسيح على محيطها من الخارج ثقوب صغيرة تلفها كلها دليل الآلام والجراحات التي كانت وقت الصلب . ونج دائماً في هالة السيد المسيح الصليب مرسوماً داخلها ورأسه في مركز الصليب وحول الرأس نقرأ هذين الحرفين (الالفا) ، (الاوميجا) أي البداية والنهاية .

o حامل الايقونات
ولقد استخدمت الكنيسة القبطية هذه الأيقونات كوسيلة الغرض من وضعا تذكير المؤمنين بأصحابها. فمثلا تضع الكنيسة على حامل الأيقونات أيقونة الصليب، وهى تذكر المؤمنين بالفداء والثمن الغالي الذي دفع من أجل التصالح مع الله وتلفت نظر المؤمن إلى كيفية الصلب، وكيف أن السيد المسيح البار صلب مع الأشرار، وأن أحد اللصين لما آمن بالمصلوب وأعترف بربوبيته استحق الجلوس عن يمينه بقوله : “اليوم تكون معي في الفردوس .. أما الذي أنكره فقد وضع على شماله دلالة خذلانه. وكذلك يكون حال الناس عند مجيء الرب الثاني : فالمؤمنون بالرب والذين عاشوا في الإيمان “إيمان ابن الله الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا سوف يقيمهم السيد المسيح له المجد عن يمينه في اليوم الأخير وأما الأشرار الذين ينكرونه فسوف يطرحهم عن يساره كما أن صورتي العذراء ويوحنا الإنجيلي بجانب صورة السيد المسيح له المجد مصلوبا من هنا ومن هناك إشارة إلى وقوفهما عند صلب المسيح قبل موته..
وتقصد الكنيسة من وضع صورة المسيح مصلوبا لفت نظر المصلين وتذكيرهم بهيئة صلبه ليكون تأثير ذلك شديدا حتى يمنح كل قوة من تحويل نظرهم إلى غير المسيح وقت الصلاة بل يعتبرون أنفسهم كأنهم وقوف أمام صليب السيد المسيح ويشاهدونه يتألم ويموت عن خطاياهم ذلك طبقا لما قاله :”وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع.
كذلك توضع الكنيسة على حامل الأيقونات صورة للعشاء الرباني تذكر المؤمنين بسر الافخارستيا وضرورته من أجل أن يصير الكل واحدا وشريكا في الثبات في السيد المسيح “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه.
كذلك وضعت الكنيسة مجموعة من الأيقونات للآباء التلاميذ الأطهار يعلنون من خلالها تمسكهم بالبشارة ومذكرين المؤمنين بإرساليتهم المعطاة لهم من السيد المسيح “وقال لهم اذهبوا إلى العالم اجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”.
نعم، إن حامل الأيقونات في الكنيسة يذكرنا في علوه بالسماء التي يقف فيها الملائكة والقديسين الأطهار ويؤكد قول الكتاب “ناظرين إلى نهاية سيرتهم متمثلين بإيمانهم.
ورغم كل هذه المعاني العميقة إلا أن طائفة البروتستانت قد أنكرت على الكنيسة عملها هذا ووجهت اعتراضا على عدم ضرورة وجود حامل للأيقونات متعللة في ذلك بان حجاب الهيكل وقت الصلب قد أنشق فلا داعي لوجود ما يحجبنا عن الله. ولا شك أنه لا يوجد سبب وجيه لهذا الاعتراض حيث أن حامل الأيقونات الذي يعلوه صليب رب المجد يرفع المؤمنين بفكرهم إلى السماء ولا يحجبها عنهم إذ أن حامل الأيقونات ليس فاصلا بين الله والناس إذ أن الحجاب الحقيقي الذي كان فاصلا بين الله والناس هو الخطية التي سمرها يسوع له المجد في جسده على الصليب كما قال إشعياء النبي ” آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع. ومن هنا نستطيع أن نؤكد بطلان الزعم البروتستانتي على إنكار عمل الكنيسة بوضع حامل للأيقونات بها.
كذلك فإن الكنيسة حينما تضع الأيقونات بها لا تعلم أولادها أن يعبدوها تطبيقا للآية “لا تصنع لك تمثالا منحوتا أو صورة لتعبدها ولكنها حينما تضع الأيقونات تعلمنا أن نصلي لله متذكرين صاحب الأيقونة وجهاده وأعماله، مقتفين أثره..

o شرح أيقونة النزول إلى الجحيم
وهى من الأيقونات النادرة في كنيستنا القبطية ووجد واحده منها بدير الأنبا بولا بالبحر الأحمر وهى أيقونة يونانية وهى تمثل نزول السيد المسيح إلى الجحيم بعدما سلم الروح على الصليب فنزلت الروح متحدة باللاهوت إلى الجحيم بينما الناسوت معلق على الصليب متحداً باللاهوت أيضا وبدون الروح الإنسانية وحينئذ تكسرت الأبواب وتحطمت في الجحيم “نزل السيد إلى الجحيم وكسر متاريسه وكسر أبواب النحاس وعتقنا من العبودية المره” (من لحن صفوف السمائيين ).
لان كل إنسان في العهد القديم بعد موته كان ينزل إلى الجحيم منتظراً مجيء السيد المسيح لينقله من الظلمة إلى النور هذا إذا كان موته على رجاء القيامة وبالفعل نزل السيد المسيح إلى الجحيم عن طريق الصليب كما نقول في القداس الباسيلى “فبدد ظلمه الجحيم لأنه اشرق فيه بنوره وعتق أدم وبنيه ونقلهم من الظلمة إلى النور”.
لذلك نجد ملابس السيد المسيح ذات اللون الأصفر وهو رمزاً للنقاوة لأنه بلا خطيه نجد السيد المسيح ممسكاً بكل من أدم وحواء وليس العكس فهو الذي يقودنا في موكب نصرته .
نرى أدم وحواء ليسا عريانين بل يلبسا ثوب البر والقداسة فالخطية هي التي عرتهما والآن اصبحا بلا خطية طاهرين ونجد السيد المسيح اخذاً معه أيضا كل من مات ولكن على رجاء القيامة فقط ونجد خلف يده اليمن القديس يوحنا المعمدان والملك داود والملك سليمان والأنبياء ارميا واشعياء وحزقيال وفى الجهة الأخرى نجد الأباء البطاركة الأول إبراهيم وإسحاق ويعقوب والثلاثة فتية القديسين سدراك وميصاك وعبد نغو ومعهم أيضا دانيال النبي.
بينما خلفهم أشخاص بلا هالات حول الرأس لانهم سيبقون في الجحيم ولن يصعدوا معهم لانهم ماتوا ولم يكن لهم رجاء بإلاههم .
الجبلين في خلف الأيقونة يمثلان العهدين القديم وهو ناحية اليمين للناظر الأيقونة وهو الجبل الداكن اللون لانه كان عهد الرموز والجبل الأخر يمثل العهد الجديد وهو الجبل المنير لأنه عهد النعمة وتفسير غوامض ورموز العهد القديم .
والسيد المسيح في الوسط يربط بين العهدين القديم والحديث لأنه جاء يكمل وليفسر لنا غوامض الحكمة ومستوراتها والاشعه التي حوله تخرج منه لتملئ المكان فتبدد ظلمه الجحيم لانه شمس البر .
في أعلى الأيقونة نجد ملاكين إحداهما يحمل الصليب والأخر يحمل الحربة والقصبة التي وضعوا عليها الاسفنجه وكلها أدوات التعذيب التي استخدمت وقت الصلب .
أما اسفل أقدام السيد المسيح فنجد الصليب الذي عن طريقة أنقذ آدم وبنيه عن العبودية المرة .
ونجد في نهاية الأيقونة من اسفل وفى المنتصف الشيطان مقيداً عن طريق ملاكين ممسكين به فقد اصبح بلا سلطان على أولاد الله ولا يستطيع القبض على أرواحهم و النزول بها ألي الجحيم كما كان يفعل قبل الصلب .
وإذا دققنا النظر بشدة نجد في اسفل الأيقونة ولكن في أقصى اليسار شخصاً كأنه يهرب من الجحيم مرعوباً ومرتعباً فطبقاً للأساطير اليوناينة انه توجد عدة ألهه تسيطر على الكون .. للماء اله والنار اله والجحيم اله وهكذا فهنا اله الجحيم يهرب منه غير محتملاً وجود النور لانه لا توجد أي شركة للنور مع الظلمة فكيف وقد حل خالق الكل ومخلص الجميع واشرق بنوره في الجحيم ، نلاحظ الحركة الواضحة في أشخاص الأيقونة سواء في جسد السيد المسيح أو في أدم وحواء وفى القديسين لانهم جميعاً فرحين متهللين بخروجهم من هذا المكان المظلم ورأيتهم لرب المجد .
هذه الحركة واضحة أيضا في ثنايا الملابس وخاصة ثوب السيد المسيح الذي يرفرف خلفه معلناً النصرة على الشر .

o نهاية الموضوع
وفى النهاية يبقى أن نؤكد أن القبطي يرى في الأيقونة عونا طوال رحلته على الأرض تسنده في ظل الظروف وتعينه على الشركة مع الله فما دمنا في الجسد فالحواس في حاجة ملحة إلى أشياء مادية ملموسة نتطلع إليها فتنقلنا إلى داخل القلب وهذا هو سر احتفاظنا بهذه الأيقونات أمام عيوننا وفي بيوتنا وكنائسنا.
فالأيقونات في البيوت والكنائس ليست قطعا فنية للعرض أو الزينة وإنما هي معين لنا في تحقيق حياة الصلاة خلال المنظورات.
وأخيرا فإن دراسة موضوع الأيقونات في الكنيسة يوفر لنا الفرصة المباركة فرصة للتأمل في نواحي عديدة من حياتنا فنستطيع أن نؤكد أن الله الذي حول الأرض الخربة إلى أيقونة جميلة تحدث بمجد الله وقدرته السرمدية قد جعل من الطبيعة أيقونة جميلة والقديسين الممتلئون بالنور السماوي المشتعلون بنار الحب الإلهي هم أيقونة حب حقيقي لله لذلك فإن من واجبنا أن نحافظ على هذه الطبيعة الأيقونة الجميلة التي خلقها الله ، كما يجب علينا أن نتذكر أن الله قد أعطانا لمعرفته الكتاب المقدس حتى نستطيع أن نؤكد أن الكتاب المقدس هو فعلا أيقونة رائعة لمعرفة الله .. لذلك يتعين علينا أن نبحر في هذه الأيقونة من خلال القراءة والدرس حتى نستطيع الوصول إلى معرفة وعشرة مع الله.
يضاف إلى ذلك أننا نحن كجماعة المؤمنين الذين اختارهم الله وسبق فعينهم الممتلئون بالنور السماوي المشتعلون بنار حبه الإلهي نعتبر أيقونة حب لله واجبنا أن نظهر في صورة يتمجد من خلالنا الله … فيرون أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السموات . لذلك يجب علينا أن نحافظ على تواجدنا في إطار أيقونة الحب الإلهي كأعضاء في هذا الجسد المقدس الذي اختاره السيد المسيح ليكون رأسا له .. لا نفرط في محبته ولا نبتعد عن الإطار الذي وضعنا الله فيه بل نعمل جاهدين من أجل أن نستمر في هذا الإطار مرددين مع الرسول بولس: “من سيفصلنا عن محبة المسيح.أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف.
من هنا نستطيع أن نؤكد أن الله هو الجمال المطلق بروح حب الجمال أصبح كل شئ جميل مستمد من الله.
وبالتالي فالأيقونة الجميلة في الكنيسة تستمد جمالها من روح الله القادر أن يجعلنا أهلا لأن نكون أعضاء مباركين في جسده الطاهر له كل المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد آمين.