القائد المسيحي


القائد المسيحي

القائد المسيحي بالمنظار الأرثوذكسي متعدد الأدوار خاصةً عند ظهور تعدد الآراء والأفكار. فدور القائد، أسقفاً كان أو كاهناً، هو في مقاربة كل الأمور، الروحية والزمنية منها إذا صحّ التمييز، بصدق وحكمة حتى يخرج الكل منها أكثر نضجاً وقداسة.

المثال في القيادة المسيحية هو السيد يسوع المسيح. ليس لأحد أن يتمثّل غيره حتى ولو تقدّم على كل البشر. القائد المسيحي، مثل معلمه، أتى ليخدِم لا ليُخدَم. رؤساء الأمم يسودون عليهم أما القائد المسيحي فيخدم ويكون أول الخادمين. “من أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للكل خادماً”، بهذا حدّد السيد القيادة المسيحية، قيادة خادمة متواضعة، تغسل أرجل الباقين دون أن تتوقع أي مقابل. قد تكون أفضل صورة للقائد في الكتاب المقدس هي صورة الراعي، خاصةً عندما يترك التسعة والتسعين ويسعى وراء الواحد المفقود. قلة هم الذين يذكرون هذه الصورة التي لم يحب السيد غيرها فمارسها بسلطان أخذه من الآب. ولأن هذه هي صورة القيادة عند المسيح، فقد هاجم الفريسيين والكتبة مسمياً إياهم باللصوص والسارقين لأنهم مارسوا السلطة على المؤمنين وليس بينهم. السلطة يمارسها القائد في الكنيسة وليس عليها.

على هذا الأساس يجب أن يمارس القادة الروحيون، الكهنة وخاصةً الأساقفة، دورهم القيادي في الكنيسة. فهم أصحاب سلطة إلهية للقيادة والتعليم والإرشاد والتنظيم ولكن على طريقة المسيح أي في المحبة والخدمة وليس في أي اهتمام شخصي أو رغبة أخرى. في عبرانيين 17:13 يطلب منا الرسول أن نطيع مدبرينا، ولكن أيضاً أن نخضع لهم، أي أن نتمثل بهم ونتعلم منهم. المثال هو الطريقة الأكثر إقناعاً وتعليماً في الحياة.

لكن كل هذا لا يغني الكنيسة عن القوانين المقدسة. مشكلة المشاكل اليوم في كنيستنا هي أن كل مسؤول صار يعتبر “التدبير” من صلاحياته فصارت أغلب القوانين هي الشواذ وصار القانون ما يستنسبه هذا الأسقف أو ذلك الكاهن. صحيح أن الحرف يقتل والروح يحيي، وصحيح أن القوانين ممكن الاجتهاد في تفسيرها، لكن الأصح هو أن شيئاً لم يوجد من دون هدف وأن ما نسميه قوانين وجد ليفعّل روح الكنيسة في المحبة والحكمة والإقناع التي من دونها يصبح اللجوء إلى القوانين شراً أكبر. من هنا ضرورة أن يأخذ كل شخص مكانه.

كل الأدوار في الكنيسة تنشأ من الخدمة الإفخارستية. الأسقف هو شخص إفخارستي. دوره القيادي ينبع من أنه يترأس القداس الإلهي وكل مهامه الأخرى من تعليمية وإدارية تُفسَّر على ضوء دوره كمقيم للذبيحة. لهذا السبب ليس لأي كاهن أن يأخذ دور الأسقف. هذا ينطبق على كل الأمور، بدءً بذكر الأشخاص في الدورة الكبرى انتهاءً بكل القرارات التي يتفرد بها الكهنة من قبول أي عرّاب إلى المشاركة في أي جناز أو عرس في أي كنيسة وفي أي مكان.

وإنطلاقاً من كل هذا، لا يمكن تناسي دور الشعب، أي غير الكهنة. فالمؤمنون غائبون أحياناً ومغيّبون أحياناً أخرى. غائبون عندما لا يسألون القيّمين عليهم من أساقفة وكهنة عن ماذا يفعلون, ومغيّبون عندما يتصرف الكهنة والأساقفة وكأن الشعب لا يعرف ما هو الإيمان ولا هو مسؤول عن الحفاظ عليه. كما أنه لا يمكن للأسقف أو للكاهن أن يقيم القداس من دون المؤمنين، كذلك عليه أن يعطي تفسيراً لكل قرار أو رأي يصدر عنه. كنيستنا لا تشرّع البابوية وإن كان هناك مَن يمارسها.

موضوع القيادة في الكنيسة، سلطة القادة وحدودها، واجباتهم وحقوقهم، هذه كلها أمور قد يكون عيشها أفضل من الحديث عنها، ليس تلافياً لحديث محرج بل سعياً إلى اختبار بنّاء ما زالت كنيستنا تعيشه منذ ألفي عام. إن لم نسعَ إلى هذه الخبرة قد نفقدها مع ما تحمله من القداسة لكل المؤمنين.