الكبرياء

الكبرياء


مقدمة فى خطورة الكبرياء

بعد مرور اليوم، وفى صلاة النوم، تختار الكنيسة مزمورا صغيرا فى مبناه، رائعا فى معناه، هو مز 131 وذلك لكى يفحص الإنسان نفسه طوال اليوم على ضوء كلماته.

وفى هذا المزمور يحتج داود النبى أمام الله أنه لم يتكبر 

يا رب لم يرتفع قلبي و لم تستعل عيناي و لم اسلك في العظائم و لا في العجائب التى هى أعلى منى. أما
إن كنت لم أتضع، لكن رفعت صوتى مثل الفطيم من اللبن على أمه، كذلك تكون على نفسي. فليتكل إسرائيل على الرب من الآن و إلى الأبد. هللويا.

 

 الكبرياء خطير جدا، كما أن الاتضاع عظيم جدا

يقول القديس يوحنا الدرجى 

إن كانت الكبرياء قد صنعت من الملاك

شيطانا، فلا جرم أن يصنع الاتضاع من الشيطان (الإنسان الخاطئ مهما كانت خطيته) ملاكا.

وبسبب خطورة الكبرياء لم يتساهل الرب فيها أو فى الوقاية منها.

داود النبى وارتفاع قلبه بتعداد شعبه واختيار إحدى ثلاث عقوبات.

يعقوب أبو الآباء وضربه على حق فخذه.

أيوب الصديق.

بولس الرسول والوقاية منها.

مراحل الكبرياء وثماره المرة

 :من كلمات القديس يوحنا الدرجى

+ أول الكبرياء اكتمال العجب، وانتصافها ازدراء للقريب وتبجح وقح بالأتعاب وثناء على الذات مقيم فى القلب ومقت للمذمة، أما كمالها فتغرب عن معونة الله واعتداد بالذات وتشبه بالشياطين.

+ الكبرياء جحود لله، وصنع الشياطين، وازدراء للناس، وأم للإدانة، وابنة للمدائح، وعلامة للعقم، وتنح عن معونة الله، ونذيرة بضلال العقل، ونصيرة للسقطات، وعلة للصرع، وينبوع للغضب، وباب للرياء، وعون

للأبالسة، وصائنة للخطايا، وولية لقساوة القلب، وجهل للحنو، ومحاسب مر، وقاض ظالم، وخصم لله، وأصل التجديف.

المرحلة الأولى ـ الإعجاب بالنفس

فالشيطان يغرى الإنسان أن يعجب بنفسه. وحيث شيطان الكبرياء خطير جدا، كثير الأنواع ومتعدد الصور، ويجتهد أن يتسلط على الكل، فهو ينصب لكل أحد ما يناسبه من فخاخ.

يغرى الإنسان أن يعجب بما لديه من مقتنيات (الحكيم بحكمته، الغنى بغناه، القوى بقوته، الحسن الوجه بجماله، الحاذق الصنعة بحذقه، الخادم الناجح بخدمته، المطيع

بطاعته، الصامت بصمته، وهكذا كل صاحب فضيلة بفضيلته).

وقد يكون هذا بسبب مديح الناس، وما أخطره !!

+ وهذه المرحلة هى بداية العقم الروحى (فى الفضائل) حيث المعجب بذاته يكتفى بما هو فيه.

وهنا يقف داود النبى : دودة أنا لا إنسان، كلب واحد وبغوث حقير.. رغم كل ما وصل إليه !!

ويقف الكتاب المقدس مبكتا بأبطاله. فمن وصل لغنى إبراهيم، ولصراع يعقوب، ولملك وجمال داود، ولحكمة سليمان، ولعظمة بيان أشعياء النبى ؟؟

المرحلة الثانية ـ ازدراء بالناس، وتبجح بالأتعاب، وثناء على الذات مقيم فى القلب، ومقت للمذمة

إذ يكتمل إعجاب المرء بنفسه، يرى الكل أقل منه، وهو أفضل من الجميع، فيزدرى بأخيه ..

ويقع فى إدانة الغير، حيث يرى فى كل أحد عيوب ..

وفى إدانته للغير وبحثه عن أخطائه ينتفى الحنو والرفق من قلبه، ويتقسى هذا القلب، ويكون فى علاقته بالناس وحكمه عليهم محاسب مر و قاض ظالم ينظر إلى العيوب ويضخمها، ويتناسى المزايا والفضائل التى ترفع الغير عنه.

أما نفسه فهو ينسى ويتناسى كل زلاتها،

ولا يذكر إلا فضائلها ويبدأ يتفاخر بأتعابه وخدمته بفضائله ونسكه.

ويدخله هذا باب الرياء والتظاهر (مثل الكتبة والفريسيين).

+ وإذ يستقر ثناؤه على ذاته فى قلبه، يرفض كل نقد ويمقت كل مذمة توجه إليه من الغير. وكيف يرتضى المذمة من يتيه بنفسه عجبا ؟

+ ويجره هذا إلى باب الغضب حيث يغضب ويثور لأقل إهانة تلحقه.

+ وهنا يقف أيضا داود صاحب المزمور، رائع الصورة أمام شاول الملك واضطهاده، وأمام شمعى بن جيرا وسبه، وخطيته التى كانت أمامه فى كل حين.

ويبكت الكتاب المقدس أيضا بأتعاب وجهاد

وخدمة بولس الرسول الذى لم يحسب نفسه شيئا.

المرحلة الثالثة ـ الاعتداد بالذات، والتغرب عن معونة الله، وفى النهاية التشبه بالشياطين :

+ حيث يصل المتكبر فى هذه المرحلة إلى الاعتداد بالذات، ويرى فيها الكفاية.

وكل عمل حسن أو صالح يأتيه هو منه هو فلا ينسبه لله، وتكثر كلمة أنا.

ويصل الأمر إلى مناقشة الله فى أحكامه وأعماله وتدابيره.

+ وهكذا يحرم نفسه بنفسه من كل معونة إلهية، حيث لا يعطى إلا للمحتاج، ولا يروى إلا العطشان، ولا يدفع جليات إلا لمن يقول ” وأنا آتيك باسم رب الجنود “.

بل هو يفصل نفسه عن الله، حيث السيد قد

اتضع وهو الرأس والمتكبر يأبى أن ينتسب إلى جسم رأسه متضع، فأين يكون ؟

أليس هذا ما يقوله لسان حال من يرفض وصية الخد الآخر، والميل الثانى حيث فيها ضعف ومذلة ؟!

+ وفى النهاية يصل المتكبر إلى التشبه بالشياطين فى كبريائها ذاك الذى أراد أن يكون مثل العلى.

وحيث يستريح الشيطان فى قلب الإنسان المتكبر.

+ وتنير لنا هنا أيضا صورة داود النبى مرنم إسرائيل الحلو الذى لم يعتد بذاته بل كانت نفسه له كفطيم لأمه يقمعه ويضبطه.

وحيث عنده كل عمل، وكل موهبة من عند الله، ومن كلمته

” لو لم تكن شريعتك لذتي لهلكت حينئذ في مذلتي ” (مزمور  119 : 92)

” سراج لرجلي كلامك و نور لسبيلي ” (مزمور  119 : 105)

” خبأت كلامك في قلبي لكيلا أخطئ إليك ” (مزمور  119 : 11)

وكل أعمال الله بحكمة صنعها فلا يناقش :

” صمت لا افتح فمي لأنك أنت فعلت ” (مزمور  39 : 9)

” لم أسلك فى العجائب ..”

وهو الممسوح ملكا، يجلس تحت أقدام

شاول يضرب له موسيقاه .. ولا تساؤل !

وهو الذى يتذلل ويصوم من أجل ابنه فيموت .. ولا تساؤل !

ولذلك يصرخ فى ختام هذا المزمور :

” فليتكل إسرائيل على الرب من الآن و إلى الأبد “

فالرب هو الصخرة، وهو الملجأ، وهو العضد، وهو الساعد، وهو الحصن الحصين، فلا اتكال على النفس، ولا اتكال على إنسان و :

” هكذا قال الرب ملعون الرجل الذي يتكل على الإنسان و يجعل البشر ذراعه و عن الرب يحيد قلبه ” (إرميا  17 : 5)

وفى الختام، ونحن نردد هذا المزمور فى كل مساء، ماذا كان سلوكنا خلال اليوم ؟ وماذا سيكون غدا ؟ حتى أصلى هذا المزمور من قلبى ؟