الموت الرحيم

الموت الرحيم

 

في البداية من الضروري لفت الانتباه إلى أن موقف الكنيسة بشكل عام من المواضيع الأخلاقية والأخلاقية الطبية تحديداً ينطلق من نظرتها للإنسان: الإنسان كائن ذو كرامة وعلينا احترامها. هذا الأمر يظهر من خلال اعتبارنا الإنسان على أنه كائن واحد مترابط : جسد وروح. وليس مجرد مادة أو مجرد جسد فيزيولوجي بحت.

 

ملاحظة أولى: موضوع الموت الرحيم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع التبرع بالأعضاء لأن التبرع بالأعضاء في نظر الكنيسة هو موضوع مقبول ونبيل جداً لكونه ينقذ حياة بشر ولكن بشرط أن لا يرتبط ولا يستند على أي تمييز عرقي اجتماعي أو آخر ولا يصبح موضوع تجارة. بالمقابل لا يحق للإنسان الحي أن يتبرع بعضو حي وحيد ( يحق له أن يتبرع بالعضو المزدوج: عين، كلية، الخ ). وبالتالي يمكن التبرع بالأعضاء الحية بشرط أن يكون الإنسان قد مات فعلياً. وهنا السؤال: متى نتأكد من الموت؟

موقف الكنيسة اعتمد كلية الموت الدماغي على أنه من أهم العلامات، إن لم نقل العلامة الأساسية التي تدل على موت الإنسان: فيه يدخل الإنسان بعدم استجابة للدماغ كاملة. في هذه المرحلة يعتبر الإنسان ميت وبالتالي يمكن التبرع بالأعضاء الحية. وعلى ذلك يجب أن يكون هناك اتفاق مبرم بينه وبين المستقبل للعضو وبشكل حر تماماً وبعيد عن أية تجارة.

 

إحدى الحجج أو القاعدة المهمة في هذا المجال الأخلاقي ــ الطبي : ما هو ممكن علمياً وتقنياً ليس بالضرورة حسن أخلاقياً.

 

لم يحبّ الإنسانُ شيئاً في الدّنيا أكثرَ من حُبّه للحياة، ولم يفرَّط فيها يوماً برغبته، وكان مُستعدّاً للتضحيّة بأيّ غال ٍ يملكه فداءً لحياته .. لأنّه أدركَ أنَّ الحياة طريقٌ للخلود رغبته الوحيدة فكان طول بقاء المرء في الدنيا قديماً، دليل نِعَم الله على الإنسان ولقد ذكرت الكتب القديمة أنّ الأنبياء في العهد القديم قد عمروا طويلاً.. وأن مَنْ كان يرجو الله داعيّاً، كان يسأله السنين الكثيرة .. وكان أهمّ دعاءٍ يرفعه هو: أطال الله بقاءَكَ.

من هنا اعتبر الإنسان الموتَ غضباً من السّماء، ووحده كان يسميه ــ المُصيبة ــ وكان العمرُ الطويل نعمة مهما بلغ الإنسانُ من العمر..

ــ ويوم آمن الإنسان، وأدركَ أنّ الموتَ حقُّ ــ كره هذا الحقّ ــ بملء مشاعره.. فكان دائم التفكير بلحظة الرحيل..

ــ أوّل عهد الإنسان بفكرة الموت ــ الذي نسميه الرحيم ــ بمعنى أن نرحمَ الناس من ألم ٍمبرّح نثقُ تماماً ألاّ توقّف له، ولا زمناً محدوداً لتحمّله أو استمراره ــ بدأت أمام حالات اليأس من رؤية الأحبّة في أَشدّ حالات التردّي ، وليس في اليد وسيلة لأيّ مبادرة مريحة.. ولعلّه من هنا نشأت مقولة : ” أطلَقَ فلانٌ على فلان ٍ رصاصة الرّحمة “.. لكنّها تبقى رصاصة، وقد أحسنوا تسميتها.

ــ نذكُرُ جميعاً في العصر الجاهلي أنّ الفارسَ المغْوار ( صَخْراً ) وكان شقيقَ الشاعرة الخنساء، وقد أُصيبَ بمرض ٍ لا بُرْءَ منه، أجابَتْ زوجَتُهُ عن سؤال ِ أحدهم عن صحته : ” لا هو حيٌّ فيُرْجى، ولا مَيْتٌ فَيُرْحَمْ “.. فكان في الجواب تمنيّ الموت له رحمة ً..

ـــ وقد عَرَف التاريخ العديد من الحالات المماثلة ــ لعظماء ــ في مثل هذا الظّرف وقد تمنّى لهم أحبّتهم ــ أن يعيشوا برغم الألم، فيما تمنّوا هم الموت لأنفسهم…

أليس آخر طريق اليأس هو تمنّي الموت ــ أليسّتْ حالات الانتحار واحدة ً من هذه الدرجات العليا في اليأس ــ هذا اليأس موجّه ٌ مباشرة ً إلى السّماء (( ولا تقنَطوا من رحمة الله )).. فلا يدركُ أحدُنا، وليسَ له أن يُدْرك تلك السّاعة التي تغمر فيها نعمة الله الإنسان اليائس بالرحمة والنعمة..

 

ــ أليسَتْ ــ حالات تعامُل الأهل أحياناً مع الأطفال المعاقين ــ عقليّاً ــ فيها من الأعماق رغبة ٌدفينة في تمنّي الموت ــ من أجل احترام حياة الأبناء وليس من أجل الأهل بالذات.

ــ خوف هؤلاء الأهل على أولادهم فيما بعد رحيل الأهل أليس كافياً أحياناً لمثل هذا التفكير ــ ذي الرغبةِ الدفينة ــ.

ــ فلنعترفْ.. كلُّ هذا قديمٌ بالعالم في لحظات، وقد يستبعدونه من الذهن سريعاً.. لكنّ هذا الاستبعاد يبقى مستوراً ومخبأ خلف رغبةٍ غير واضحة.. لكنّ عدم وضوحها لا ينفي بالضرورة وجودها.. وبالطبع هناك الكثير من الاستثناءات المغايرة.. لكنّ الاستثناء لا يُلغي القاعدة أبداً..

ــ أمام أمراض  ٍمكلفة ” وميئوس ٍ منها ” : يتمنّى الأبناء الميسورون، لو يبقى أهلهم أو أولادهم.. على قيد الحياة حتى في موتٍ سريريّ.. يكفي أن يروهم..

ــ بينما يتمنّى غيرهم.. أن يرتاح هؤلاء الأحبّة ويُريحوا.. برغم كلّ الحبّ الذي يحملونه لهؤلاء الأحبة فهو اختصار عذاب الآخرين برغم ألم وحزن الفاعلين.

في كلّ هذه الحالات ــ الموت الرحيم ــ هو قتلٌ ــ مهما حاولنا أن نجتهد في التسمية.. والقتل مرفوضٌ منذ أوّل الشرائع التي عرفها الإنسان ــ لا تقتل ــ .

والقتلُ في هذه الحالة، أو مجّرد التفكير فيه هو يأسٌ من رحمة الله ــ الرحمن الرحيم ــ وادّعاء غير ظاهر بأنّنا أكثر رِفْقاً بالإنسان من خالقه.. متناسين أنّ الله الرحمن الرحيم هو محبّةٌ أيضاً ومهما أحْبَبْنا ــ لن نحبّ أكثر منه..

أليس في مثل هذه الحالة، مَدْعَاْة ُلتفكير ٍ آخر هو في مخطّط الله الخلاصيّ لا ندركه نحن، وفيه أيضاً استيعابٌ لهذا الألم لا نفهمه نحن؟؟..

ــ فالوصية الخامسة في الوصايا العشر هي: لا تقتلْ، وهي موجودة في كلّ الشرائع السماويّة، والاشتراعات الإنسانيّة على الأرض..

فحياة ُالإنسان مقدّسة، لأنّها منذ البداية اقتضَتْ عملَ الله في ــ مسألة الخَلقْ ــ وهي أبداً على علاقةٍ خاصّة بالخالق، الذي هو غايُتها الوحيدة ــ فالله وحده سيّدُ الحياة منذ بدايتها إلى نهايتها ــ وليس لأحدٍ في أيّ ظرفٍ من الظروف أن يدّعي لنفسه الحقّ في أن يدمَرّ مباشرة ً كائناً بشريّاً بريئاً.. وهي قاعدة ٌ تلزمُ الجميعَ وكلَّ واحدٍ في كلّ زمان ٍ ومكان..

ــ أمّا في الحالة التي هي موضوع حديثنا اليوم ــ الموت الرحيم ـ أو ــ الميتة المُيَسّرَة ــ كما تسمّى والمعروفة بـ: ” الأوتنازيّا ” فمهما كانت أسبابُها ووسائلها، هي قي الحقيقة قائمة ٌعلى وضع حَدٍّّ لحياة ِأشخاص ٍــ أعيِقوا ــ عن متابعة الحياة، إمّا بإعاقة ولاديّة ــ أو بمرض ٍأشرف بهم على الموت ــ ولم يَفْعَلْ ــ فالموت محتمٌ وليس لأحدٍ أن يُخمّن التوقيت..

هو بالحريّ ــ حكم بالإعدام ــ مؤجّلُ التنفيذ إلى أَجَل ٍغير مُسمّى ــ ومع هذا فعملية وضع حدٍّ أو التعجيل بالتنفيذ ــ في توقيت نحن نتدخّلُ في تحديده ــ أمرٌ غير مقبول من الوجهة الأخلاقيّة.

ــ وكلّ عمل ٍ، أو إهمال ٍ من شأنه في مثل هذه الحالة أن يُسبّبَ بذاتهِ، وَبِنيّةِ الفاعل أن يحمل الموتَ لِمَنْ أمامَه بغايةِ إراحته من الألم هو قتلٌ يتعارضُ بوجهٍ خطير ٍمع كرامة الشخصّ البشريّ وقدسيّة الحياة.. وهو موجّه مباشرة إلى ــ احترام الله الحيّ والخالق.. والخطأ في التفكير الذي قد يقع فيه الإنسان عن حسن نيّة، لا يغيّرُ أبداً من طبيعة فعل القتل هذا، الذي يتوجّبُ علينا حظرُه وإبعاد التفكير فيه.

ــ فكلّ توقف عن الإجراءات الطبيّة ــ المكلفة ماديّاً في الأغلب ــ والخطرة، وغير العاديّة ( الجرعات، الأشعة ) وحتى المورفين ــ مرفوضٌ إلاّ ــ برغبة المريض ــ ورغبته عندها مرهونة ٌبقبوله الألم، والنتائج أيضاً… على أن تكون أيضاً تلك الرغبة معقولة وليس في خفاياها الرغبة الدفينة في الخلاص…

ــ إذ شرعيّاً لا يمكن التوقف عن إعطاء كلّ المساعدات لشخص ٍ في مثل هذه الحالة، فكثيراً ما يكون استعمال المسكّنات القوية طريقاً لتقصير العمر، وبشكل آخر اختصاراً للعذاب، لكنّ الواجب يحتم المساعدة على الحدّ من الألم المخيف، أو حتى التخفيف منه.. بشرط ألاّ يكون ــ الموت ــ هو المقصود بذلك ضمناً كفايةٍ، إنّما هو متوقعٌ ومحتمل لكونه لا مهرب منه، فهنا تصبح العلاجات المُسَكّنة صِِيْغَة ً ممّيزة لمحبّةٍ ــ مُنَزّهة ــ ولا ضرر في ذلك.

مضاعفة الجرعة المسكّنة ــ إذا كان المُعْطي يدرك نتائجها المباشرة في مثل هذه الحالة، لا تعفيه من مسؤوليّةٍ أمام الله وضميره.. وأحياناً أمام القضاء..

ــ في النهاية ــ نستذكر معاً قِدَم هذا الموضوع حين نتذكّرُ قول الشَاعر المتنبيّ :

كفى بِك داءً أنْ ترى الموتَ شافيا                  وَحَسْنُ المنايا أنْ يكُنّ أمانيا

باختصار الكنيسة ترى في كلّ هذه الأشكال من القتل في صوره المسماة ــ رحيمة ــ عاراً، وهو يُفسِرُ الحضارة البشرية، يشينُ فاعله أكثر مما يشين مَنْ يتحمّله أو يقع عليه، وينافي شرفَ الخالق. الذي جعل كلّ شيء للإنسان مسخّراً، وليس العكس.