بين الرهبنه والاستشهاد

كان الاستشهاد شهوة جميع المسيحيين. كانوا يتسابقون عليه ويلبسون أفخر ثيابهم ويقبّلون السلاسل التي تقيدهم ويصلون من أجل الوالي الذي كتب قضيتهم وأمر بقتلهم ويصلون كذلك من أجل السياف الذي سيقوم بالتنفيذ، ولذلك لا نتعجب عندما نقرأ أن الكثيرين من الولاة والجلادين قد آمنوا بالمسيح ودخلوا وسط صفوف الشهداء لينالوا الإكليل ذاته.

فلما انقضى عصر الاستشهاد بداية من مرسوم التسامح الديني الذي أصدره الملك قسطنطين سنة 312م. كان الأقباط ما يزالون مندفعين نحو الاستشهاد، فلم يجدوا أمامهم سوى البراري والقفار فانطلقوا إليها بأعداد غفيرة وبدلاً من سفك الدم دفعة واحدة بضربة سيف سفكوه قطرة قطرة في حياة النسك. ولذلك فإن كلمة “مارتيريوم” ُاطلقت على كلا الموضعين، الموضع الذي يدفن فيه الشهيد والموضع الذي يدفن فيه المجاهد، إذ تعني الكلمة “موضع الشهادة” أي الموضع الذي يوجد فيه إنسان شهد للمسيح سواء بدمه أو بفضائله وجهاده، وعندما كان يأتي بعض الزائرين للقديس مكاريوس كان يصطحبهم إلى المغارة التي يوجد بها جسدي القديسان مكسيموس ودوماديوس قائلاً: هلموا نعاين شهادة الغرباء الصغار.

وفي السماء سوف يقدم الشهداء عذاباتهم للسيد المسيح بينما يقدم القديسين فضائلهم، وهؤلاء وأولئك – وعلى الرغم من تقدم بعضهم على الآخر – كان لهم في أنفسهم حكم الموت، هذا وما يزال السنكسار مفتوحاً ليضم إليه كل يوم الذين يرقدون بعد جهاد وتعب ممزوج بالحب