سفر استير

سفر أستير

1- سفر استير في البعد الكتابي:
سفر أستير آخر كتاب من الكتب الخمسة التي تُقرأ ايام الاعياد اليهودية وهي: نشيد الاناشيد لعيد الفصح، راعوت لعيد الخمسين، المراثي في ذكره خراب الهيكل، الجامعة لعيد المظال، واستير لعيد فوريم.
السفر مكتوب على لفائف وليس له مكان معيَّن في سلسلة الكتب المقدسة. فهو أحياناً ملحق بالكسَب الحكمية واحياناً أخرى بكتب الانبياء أو الكتب التاريخية. ونجده غالبا ملحقا بسفري طوبيا ويهوديت. ويُعتبر معهما خاتمةَ الكتب التاريخية أو مقدمة للكتب الحكمية.
لسفر أستير صيغة قصيرة وهي النص العبري، وصيغة طويلة هي النص اليوناني. وهناك إضافات كثيرة زيدت على النص اليوناني في مكانها الصحيح من تسلسل الاحداث، وهي ناقصة في النص العبري. اما بالنسبة الى ترجمة القديس ايرونيموس فقد اعتمدت حلاً وسطاً بين النصين. ترجم القديس ايرونيموس النص العبري، وأضاف في ملحق الاضافات الخاصة بالنص اليوناني. في الترجمات العربية المتوفرة لدينا نقرأ في الترجة القديمة للمطبعة الكاثوليكية 1881 السفر كما اعتمده القديس ايرونيموس، أما في الترجمة الحديثة لدار المشرق 1986 فهو مكتوب كما في النص اليوناني. وفي ترجمة وليم واطسن (لندن 1857) التي اعادت طباعتها مكتبة السائح فقد اعتمدت النص العبري. وترجمة دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط (1985) اعتمدت النص العبري أيضاً. هذه الاضافات التي تخلق احياناً مشكلة للقارئ نستطيع ان نقول عنها باختصار انها فقط مقاطع ناقصة من النص العبري نجدها في النص اليوناني. وهذه هي مراجع المقاطع المزيدة وهي مكتوبة حسب رقم الفصل والآية التي تبدأ من بعدها وتستعمل الاحرف بدل الارقام. (حلم مردكاي 1/1 ب- ع، تفسيره 10/3 ب- ز، رسالتان لاحشورش 3/13 ب – د و8/12 ب- و، صلاة مردكاي 4/17 ب- و، صلاة استير 4/17 ز- ن، رواية أخرى لدخول استير على الملك 5/1 ب- ج و5/2 ب- ت، وملحق يشرح فيه الكاتب اصل الترجة اليونانية 10/3 ب- س).
كان النص اليوناني موجوداً في السنة 78 ق. م. أما النص العبري فقد وضع في وقت سابق كما ورد في سفر المكابيين الثاني (2 مك 15/36). إن يهود فلسطين كانوا يحتفلون في سنة 160 ق. م. “بيوم مردكاي”. ومن المحتمل ان يكون هذا السفر أكثر حداثة، وقد وُضع في الربع الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. أما منشأ عيد فوريم فغير واضح، ومن المحتمل أن يكون الكتاب قد رُبط به في وقت لاحق، واستُخدم لتفسير هذا العيد.
يحوي السفر بشكل عام قصة درامية متسلسلة وعرضاً قانونياً خاصاً بعيد فوريم الصاخب بمظاهره. وقد يفسّر طابعُ هذا العيد لماذا لم (كما في التوراة العبرية) يذكر اسم الله: خاف الكاتب ان ترافق هذا الذكر هتافات وتظاهرات غير لائقة أو مُضرّة بالاحزام الواجب لاسم الله.
ما يلفت نظرنا ويستوقفنا ادبيا هو القصة بحد ذاتها. نلاحظ تسلسل تناقضات تدهشنا: من وشتي إلى استير، ومن هامان إلى مردكاي، ومن نشوة هامان إلى نشوة مردكاي، ومن امر ملكي إلى آخر، ومن مجزرة فاشلة إلى مجزرة انتقام. المفردات الادبية جميلة التعابير وواضحة، وهي تُضفي على القصة حيوية. ويبدو لنا أن هدف الكاتب هو الاحتفال بالخلاص الآتي لليهود من الله، وتذكير القارئ بالحوادث التي نشأ بسببها عيد فوريم، وعرض لطقس تقوي خاص بالتوبة والتضرع. ومن خلال النص اليوناني نرى بوضوح هدف الكاتب: التحدث عن الله الخالق والقادر الذي يعرف كل شيء ويتخطى بقدرته كل الالهة ويسيطر على كل سلطة، وعنايته تسود الكون. إنه رب عادل ونحوه نرفع صلاتنا.
أما احداث السفر فهي تتمحور حول عناية الرب التي تخلص شعباً وتمر بالانسان: مردكاي واستير. وهي تبدأ مجم مردكاي وتنتهي بتفسير هذا الحلم: ينبوع صغير يصبح نهرا (استير)، وامم تستعد لمقاتلة شعب الابرار.
احشورش الملك يدعو الملكة وشتي للظهور أمام مدعويه فترفض. فكان هذا الرفض سبباً كافياً لإقالتها واختيار ملكة اخرى مكانها. فقدم مردكاي أستير ابنته بالتبني فحظت برضى الملك. وكان مردكاي قد كشف عن خطة قام بها خصيّا الملك لقتله. واخبر الملك بذلك، فدوَّنها الملك في سفر اخبار الايام. وكان هامان وزيرا مقرَّبا من الملك حتى إنه جعله الرجلَ الأول في المملكة. فانتشى بهذا الاكرام وفرض على الجميع السجود له. لكن مردكاي اليهودي أبى ان يسجد امامه. فبدأ هامان يخطط ليس فقط للانتقام من مردكاي، بل لالغاء شعب باكمله. فوشى للملك أن هذا الشعب خطيبر على المملكة لأنه مخالف لسنن الملك. لهذا يجب ابادته. فوافقه الملك وأعطاه ختمه يتصرف به كما يحلو له. فكتب هامان رسائل إلى كل ولاة أقاليم الملك يطلب إليهم إهلاك واستئصال جيع اليهود في يوم واحد. وعلم مردكاي، فمزَّق ثيابه ولبس المسح وألقى على نفسه الرماد. فعلمت استير بالأمر وأرسلت إليه ثياباً تليق بالجالس في باب الملك. لكنّه رفض وأوضح لها سبب تصرفه. وطلب منها أن تدخل على الملك لتتضرّع إليه وتتوسلّ بين يديه من أجل شعبها (4/8 ب). فخافت استير ورفضت لأنها تعلم انه لا يحق لها بالدخول ما لم تُستدعَ، او ان يمد لها الملكُ صولجانه. فاجابها مردكاي مذكرا بانتمائها إلى الشعب ودورها في الخلاص، فلعلها لمثْلِ هذا الوقت وصلت الى الفلك. عندها قررت استير المخاطرة بحياتها من اجل شعبها والدخول على الملك وطلبت ان ترفَع من اجلها الصلاة والصوم مدة ثلاثة ايام. وصامت هي أيضاً، وخلعت ثياب المجد، ولبست ثياب الشدة والحزن، وغطَّت رأسها بالرماد والاوساخ، وذللّت جسدها… وصلّت. وفي اليوم الثالث لبست ثياب الملك وتبرّجت ودخلت على الملك. وما إن رآها الملك حتى حوَّل الله روحه الى الحلم وسألها: “ما بغيتك يا استير ولو كانت نصف المملكة، فالشريعة على عامة الشعب وليست عليك…”
فطلبت منه أن يدعو هامان الى وليمة، ثم شرحت له في الوليمة كل ما يدبره هامان انتقاما من شعبها، وأعلنت انتماءها إلى هذا الشعب. وهنا، وبتدخل من الرب، يقلق الملك ويطلب سفر الأخبار ويتذكر عمل مردكاي الذي أنقذه. فيستدعي هامان ويسأله: كيف يكرَّم انسان رضي عنه الملك؟ فوصف له طريقة التكريم معتقدا أنه المعني بالأمر. وكوفئ مردكاي بحسب ما طلب هامان. وعادت أستير وحصلت على أمر من الملك يلغي رسائل هامان ويحوّل الانتقام عليه. وجعل اليهود يتذكرون هذه الاحداث ويعيِّدون “في اليومين اللذين استراح فيهما اليهود من اعدائهم والشهر الذي تحوَّل لهم الحزن فيه إلى فرح والنوح الى يوم حبور…” ودعوا هذين اليومين “فوريم” عائدين الى كلمة فور التي تعني “قرعة”. (9/22 و26).
2- سفر استير ووجه المرأة اليوم:
أ- استير ابنة شعبها:
أستير التي ليس لها أب ولا أم، كما يذكر الكتاب المقدس، يتبناها شعبها وتقبل به أباً وأماً. ونحن نرى في هذا صدى بعيداً لملكيصادق المجهول الاب والام ولنبوءة الأنبياء عن المسيح الذي لا يُعرف ابواه (يو 7/27). استير تطلّ علينا وكأنها بلا جذور بشرية. لا نعرف شيئا عن ابيها وامها وقصتها؟ تطل علينا كما النبوءة وكما “الريح التي تهب حيث تشاء ونحن لا نعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب” (يو 3/8).
وهذا التشلع في الانتماء البشري يصبح حجر الزاوية لوساعة انتماء تطال شعباً، ويصير الاب والام قضية تعيش من اجلها. هذه ملامح استير التي يوردها السفر ونحن نكتفي، عن غير قصد، ونتخطى هذا الواقع من غير سؤال. تلك فرادة من فرادات السفر ومن فرادات ابداع كلمة الله واحبائه. تماما كما نتخطى تقنيات العزف والف بائه امام فنان مبدع.
امام هذا الوجه، وجه امرأة بلا جذور ولا قصة امام امرأة مفروزة لخلاص آت من آخر تؤمن به وترك نفسها بين يديه اداةً حرة ومتجاوبة، امام وجه استير، نحن نتساءل: كيف نقبل قصتنا المشلّعة؟ كيف يصبح جرحنا مطلاً على قضية شعب، على قضية الرب؟ وكيف نستعمل انماءاتنا في خدمة انتماء يفجّر محدودية العلاقات البشرية والتاريخية والجغرافية؟
ب- استير، ملكة راهنت على سلطتها من أجل الفداء:
تجربة السلطة والتسلط والقدرة تجربة عمرها من عمر الانسان. فالانسان فينا لا يني يبحث عن مساحة يتسلط عليها وقد تكون هذه المساحة انساناً وفي افظع الحالات نتجرأ ونتحدى الله. وأولى صفحات الكتاب المقدس تصوّر لنا هذه المعاناة في حوار يجري بين الحية وحواء إذ تقول الحية: “لن تموتا، انما الله عالم أنكما في يوم تأكلان تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة” (تك 3/4- 5). وتصوّره ايضا في برج بابل يوم يلوح ببال البشر الوصول الى الله وتخليد الذكر (تك 11).
ولعل تجربة التسلط أولى طاقات بشريتنا والسيف ذو الحدين الذي نحمله في آنيتنا الخزفية.
أستير امرأة بيدها السلطة، سلطة لم تركض وراءها ولم تشتهيها ولم تشترِها. سلطتها أتتها من تدبير من أعطاها الجمال لتكون، كما كلمة الله، خشبة خلاص لشعبها. وهذا محور مهم يستوقفنا ونتساءل: كيف نتعامل في سرية ذاتيتنا مع شهوة السلطة الساكنة في اعماقنا؟ منطق العالم يدفعنا الى الوصول ولو على حطام الانسان والقيم، وينعت بالجبانة من يقبل بمنطق غسل الارجل. منطق العالم يسخّر كل شيء ليصل إلى السلطة، ومتى وصل إليها، نصَّب نفسه إلها قديرا يحلِّل ما يشاء ويحرِّم ما يشاء.
أستير ملكة تراهن على السلطة التي وصلت إليها بتدبير الله من أجل قضية. ووجهُ مردكاي عمها، صوت الحق القدوس، يذكرها بمسؤولية موقعها وهدف سلطتها: “لا تخالي نفسك انك تنجين في بيت الملك دون جيع اليهود، لأنه ان لم تزالي على السكوت في هذا الوقت، فسيكون فرج وخلاص لليهود من مكان آخر، وانت وبيت ابيك تهلكون. ومن يدري لعلَّك لمثل هذا الوقت وَصلت إلى الملك”. (استير 4/13- 14).
السؤال الاساس في كل قضية وموقف: ما هو الهدف منه وما هي نتائجه؟ وكيف يكون في خدمة القدوس؟ هذا هو مقياس التصرف البشري، وإلا صرنا في ضياع برج بابل وشابهنا منطق الغاب. وسرُّ هذا التصرف بالسلطة على حسب منطق القدوس هو التجرد، وهو برهان على أولوية الله في حياتنا. هل يبقى الله الأول والمهم وصاحب القضية والسلطة يوم نكون في مركز السلطة أم تصعب علينا المنافسة ويصبح الله وكيل اعمالنا وأمين سرنا؟ هل نجرؤ ونخلع ثياب المجد ونلبس ثياب الشدة والحزن ونغطّي رأسنا بالرماد والاوساخ بدل العطور الفاخرة ونذلِّل جسدنا (4/17)، يوم تكون قضية الرب، الذي هو وحده ملكنا وكبيرنا، في خطر؟ هنا تكمن جذرية محبتنا لله: هو وحده الملك، وله وحده السلطة، ومن اجله ترخص التضحيات، وكل سلطتنا من دونه بريق فارغ.
أستير ملكة تصلي، ونحن ربما نرى صورة واقعنا غريبة عن هذه الملكة المصلية. والبعض يقول: الصلاة لا تطعم رغيفاً ولا تحل مشكلة من مشاكل أيامنا. لكم ان تصلوا ولنا ان ندير الامور بسياستنا. فما علاقة السياسة بالصلاة؟ استير تعطي في موقفها جواباً لإنسجام متزن بين السلطة والصلاة. ونحن نحمل في اجسادنا هذا التجزؤ وكل نتائجه، ونرجو أن تسري فينا عدوى الكتاب ويُعطى المجد لله ليحل على الارض السلام. ويومها فقط نحلم في تصالح بين السلطة، أيا كانت، وبين معطي السلطة وحده. ويومها فقط تصير السلطة “وزرة خدمة وانحناء على اقدام من نخدمهم”. ونجرؤ على وهب ذاتنا قرباناً وفداءً من أجل من أقامنا الرب عليهم مسؤولين. ومع أستير المصلية نرفع صلاة ملكة تحني رأسها للذي هو تاج رأسها ولا تحنيه لأحد سواه:
” أيها الرب الذي هو وحده ملكنا
أعنِّي انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين.
إنّا قد خطئنا أمامك، فاذكرنا يا رب وأظهر مجدك في وقت شدتنا،
وأعنّي انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين.
ألقِ في فمي كلاماً موزوناً،
وغيِّر قلب من يبغضنا وأنقذنا بيديك
وأعنّي أنا المنقطعة التي ليس لها سواك معين.
فاستجب لأصوات الذين ليس لهم معين سواك
ونجنا وانقذنا من خوفنا
وأعني انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين”. (4: 17 ي).