صلاة الاجبية

صلاة الاجبية

“سبع مرات فى النهار سبحتك على أحكام عدلك” (مز 164:119).

“جندى المسيح عليه أن يتعلم قانون الصلاة ونظام المزامير التى رتبها الآباء الشرقيون منذ زمان بعيد” يوحنا كاسيان،
فى (القرن الرابع)
مقدمة :
التجسد الإلهى يعنى ببساطة دخول الله فى الزمن.

الله فوق الزمان وخارج الزمن لأنه الخالق “من قبل أن تولد الجبال أو ابدأت الأرض، والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت
الله… لأن ألف سنة فى عينيك مثل يوم أمس، بعدما عبر وكهزيع من الليل” (مز 2:90،4).

فالتجسد بذلك يعنى دخول الله إلى الزمن فى “ملء الزمان” (غل 4:4) لذلك بدأ معلمنا الرب يسوع خدمته بعبارة “قد كمل
الزمان واقترب ملكوت الله” (مز 15:1) “غير الزمنى صار تحت الزمان” ثيئوطوكية الأربعاء.

دخل الله الزمان ليقدسه ويعطيه معنى ويملأه. الصلاة بالأجبية ترافق إيقاع الزمن لكى تحمل إليه الله المتجسد فنعايش أحداث
التجسد الإلهى ساعة بساعة ويصير فعل التجسد حاضراً فينا على الدوام.

الأجبية معايشة لأحداث التجسد الإلهى :

1- صلاة الغروب :

يبدأ بها اليوم الليتورجى ربما كرمز لتاريخ الكون الذى بدأ فى الظلام “على وجه الغمر ظلمة” (تك 2:1) لذلك تبدأ الصلاة
بإنهاض الخليقة كلها للتسبيح “يا جميع الأمم باركوا الرب ولتباركه جميع الشعوب” (مز 1:116) ثم نرتل مزامير المصاعد
لنصعد بها من ظلمة الخطية إلى نور المسيح ومن الانتماء الأرضى المريض إلى مواطنة السماء المثمرة، ثم نمثل أمام
المسيح مع حماة سمعان ومع “كل الذين عندهم مرضى بأنواع أمراض كثيرة”، ليشفينا من جراحات النهار وحمى الخطية..
ولنقص عليه خبراتنا أثناء النهار وضيقاتنا التى لاقيناها ثم نشكره من أجل حمايته لنا وسنده ورعايته لنا طوال اليوم.. فصلاة
الغروب هى صلاة العودة إلى حضن المسيح بعد يوم ملئ بالحرب والنصرة، بالتعب والفرح “أسرع لى يا مخلصى بفتح
الأحضان الأبوية”.

2- صلاة النوم :

تمثل نزول السيد المسيح إلى الجحيم ليحرر نفوس الذين قبض عليهم ويصعدهم معه إلى الفردوس… لذلك نلتمس فى هذه
الصلاة أن ينزل المسيح إلى أعماقنا ليحررنا من نير الشياطين “الذين استاقونا إلى هناك”… وفيما نحن صاعدون مع المسيح
نرتل أيضاً مزامير المصاعد معلنين انتظارنا لخلاص الرب “من محرس الصبح إلى الليل”، لقد علمنا الآباء أن “الليل مفروز
لعمل الصلاة” وهذه الصلاة المسائية تحسب كذبيحة مسائية وترتفع أمام الله كالبخور العطر ثم نستودع أرواحنا بين يدى
المسيح “الآن يا سيدى تطلق عبدك بسلام”.

3- تسبحة نصف الليل :

فيها ننتظر مجئ السيد المسيح ، لذلك تنهضنا الكنيسة “قوموا يا بنى النور لتسبح رب القوات”، ثم تقدم لنا فى المزمور
الكبير نموذجاً رائعاً لكيفية قضاء الليل فى الهذيذ بكلمة الله والتلذذ بترديد كلمات الإنجيل والتأمل فيها، وهو ما يناسب
هدوء الليل وصفاءه.

وفيما ننتظر العريس السمائى يجب أن تستعد النفس بالتوبة كالمرأة الخاطئة التى سكبت الطيب على قدمى مخلصنا الصالح…
ونتيجة لهذه التوبة الرائعة يأتينا الصوت الإلهى العزب الحنون مطمئناً إيانا “لا تخف أيها القطيع الصغير فإن أباكم قد سر أن
يعطيكم الملكوت”.

4- تسبحة باكر :

فيها نعيش قيامة المسيح “قم يارب خلصنى يا إلهى”، “الآن أقوم يقول الرب”، وفيها أيضاً نذكر “النور الحقيقى الذى يضئ
لكل إنسان آت إلى العالم” ونذكر الخالق والأزل والبدء “فى البدء كان الكلمة”.

وترسم لنا الكنيسة منهجاً للسلوك طوال النهار “كما يحق للدعوة التى دعيتم إليها”. فنصير نوراً للعالم وملحاً للأرض كما
قصد المسيح أن يكون.. فنحن فى صلاة باكر نصير أبناء القيامة وأبناء النور وأبناء الله.. وخروجنا إلى المجتمع بعد صلاة باكر
يمثل ظهورات المسيح بعد القيامة ليتحدث معهم عن الأمور المختصة بملكوت الله.. فحديثنا وسلوكنا وتصرفاتنا اليومية
يجب أن تكون مصبوغة بفكر المسيح وروحه وقصده الإلهى كما تعلن مزامير صلاة باكر مثل (طوبى للرجل الذى لم يسلك
فى مشورة المنافقين، وفى طريق الخطاة لم يقف، وفى مجلس المستهزئين يجلس)..

5- صلاة الساعة الثالثة :

هى ساعة حلول الروح القدس على التلاميذ فى يوم العنصرة فيما هم مجتمعون معاً فى العلية يصلون، لذلك نتوسل إلى الروح
القدس أن يحل فينا ويطهرنا، ونذكر فى هذه الصلاة فعل الروح القدس فينا وفى الكنيسة
(راجع مزمور الراعى على سبيل المثال).

وفى هذه الساعة أيضاً نتذكر محاكمة الرب يسوع أمام بيلاطس الوالى الرومانى لذلك نرتل بعض المزامير التى تصف هذه
المحاكمة ونصف خيانة يهوذا لنحترس لئلا نكون مدانين مثله بسبب خياناتنا المتكررة للرب.

6- صلاة الساعة السادسة :

وفيها تم صلب رب المجد لذلك نرتل مزامير نطلب فيها خلاص الرب الذى أكمله لنا على الصليب المقدس…
ونطلب أيضاً أن ينقذنا من شيطان الظهيرة ويقتل أوجاعنا (الخطايا) بآلامه الشافية المحيية (لاحظ أن كلمة “ظل جناحيك”
المتكررة فى مزامير هذه الساعة تعنى الصليب).

7- صلاة الساعة التاسعة :

وفيها أسلم الرب الروح بين يدى الآب خلاصاً لنا وفداء وبراً، وفاتحة تفتح لنا الباب أن يستلم الآب أرواحنا بعد أن كان يقبض
عليها الشيطان ويحبسها فى الجحيم… لذلك نسبحه على هذا الخلاص الثمين بروح جديد ونحتفل بتجليسه ملكاً على خشبة
الصليب وندعو كل الأرض أن تتهلل معنا بهذا الخلاص الثمين…

ونرجع إلى المسيح إلهنا مع باقى التلاميذ لتحدثه عما فعلناه ونناجيه على انفراد لنشبع من خيرات يده الممدودة تشبع الجموع
بفيض وبركة، ونتوسل إليه أن يميت حواسنا الجسمانية المائلة إلى الخطأ والخطية وأن يقدس نفوسنا ويضئ إفهامنا..

الأجبية وسيلة صلاة بالمزامير :

المادة الأساسية فى صلاة الأجبية هى المزامير، والمزامير هى كلام الله الموحى به من الروح القدس وتحمل أيضاً خبرات
الأنبياء الذين كتبوها (مثل داود وآساف وموسى وسليمان وغيرهم) فالروح القدس لا يلغى شخصية الكاتب وخبرته وأسلوب
كتابته… فنحن حينما نصلى بها نكتسب أولاً فعل الروح القدس، ثانياً خبرة وروحانية ومشاعر الكاتب القديس… لذلك أوصى
الإنجيل نفسه باستخدام المزامير فى الصلاة “متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور” (1كو 14:26)، “مكلمين بعضكم بعضاً
بمزامير وتسابيح وأغانى روحية، مترنمين ومرتلين فى قلوبكم للرب” (أف 19:5)، وجاء فى تعاليم الرسل الأطهار:
“لتكن أكثرالصلوات كل يوم ليلاً ونهاراً من المزامير لما فيها من الشكر والتضرع والاعتراف بالذنوب”
وقال القديس اثناسيوس الرسولى: “التسبيح بالمزامير دواء لشفاء النفس”، والقديس ماراسحق: “ليكن لك محبة بلا شبع لتلاوة
المزامير لأنها غذاء الروح”، والقديس نيلس السينائى: “داوم على تلاوة المزامير لأن ذكرها يطرد الشياطين”.

“ولو وصل الإنسان إلى أعلى درجات الروح والاستعلان وتهاون بالمزامير، فإنه يضعف ويقع فى يد الشياطين.
لأن العظمة تبدأ فى رمى بذورها، كأن قد ارتفع عن رتبة الذين يستعملون المزامير” مار اسحق السريانى.

لقد شدد الآباء على أهمية ترتيل المزامير لما اختبروه فيها من قوة وروحانية وعمق كما أن الأجبية تنظم لنا مواقيت الصلاة
وتذكرنا بها لئلا نتوه فى زحمة الحياة وننسى أن نتكلم مع الله.

إن الأجبية بترتيبها الرائع ومزاميرها الإلهية تكفل لنا فرصة أن يرافقنا المسيح فى يومنا بالمنزل والشارع والعمل والكنيسة
ومع الآخرين.. وكذلك فالمزامير تسندنا فى اجتياز نهارنا بصحبة المسيح وفى روحانية وفى تخطى للمشاكل والمصاعب
التى تلاقينا وأنها تلقننا بالمزمور والآية كيف نتصرف وكيف نتكلم فى مختلف مواقف الحياة اليومية.
مطلوب أن نحفظ المزامير تدريجياً… ننتقى من كل صلوة مزموراً أو أكثر ونحفظه لنردده أثناء سيرنا بالنهار دون
الاحتياج إلى الكتاب.
يتساءل الشباب عن الصلاة الارتجالية.. لا مانع من أن نصلى ارتجالياً ولكن بدون أن نلغى المزامير… بل بالعكس ستصير
المزامير مادة محفزة للصلاة الارتجالية.