صليب العار …لماذا نفتخر بة !!

صليب العار لماذا نفتخر بة !!

 

لا أبالغ لو قلت أن صليب المسيح هو فخر الكنيسة المسيحية منذ أن وجدت وعبر كل عصورها!..

فكنيسة المسيح على تنوع فروعها ومسمياتها ، ومع امتداد التاريخ كله كان لها الصليب وما زال رمزَ فخرٍ واعتزاز وإجلال …

قبل صلب المسيح كان الصليب أداةً موحشة منفرة .. ولكن عجباً كيف حوَّلَ المسيحُ أداة القتل والتعذيب إلى رمز حبٍ وعطاءٍ وفداء !.. فبعد صلبه اعتلى الصليب بفخر قباب الكنائس ومناراتها .. وأخذ الملوك يزينون تيجانهم بعلامة الصليب باعتزاز ، وفي العديد من دول العالم اليوم يتصدر الصليب أبواب صيدلياتهم ينادي المريض عن بعد أن تعال / لدينا الدواء لمشكلتك !… وهناك مجموعة لا بأس بها من أعلام الدول التي تعتز بحضارتها ورقيها ويوشحها الصليب ..

ثم مع بدايات القرن العشرين برز الصليب الأحمر كمؤسسة إنسانية عالمية لا تحدها حدود .. استمدت رسالتها الإنسانية من رسالة المسيح فرفعت شعار الصليب بلون دم المسيح كشعارٍ للرحمة بجرحى الحروب / والأسرى / والسجناء السياسيين / والمضطهدين والمعذبين في الأرض .

ومن هذا المبدأ انبثقت جمعيات أخرى تحمل شعارات متنوعة ولها نفس الرسالة ، وهذا يعني أن نظرة العالم كله أخذت تدرك معنى رسالة الصليب وما يوحيه الصليب من خدمةٍ ورحمةٍ انسانية للبشرية المعذبة . فلولا صليب المسيح ما كان لهذه المعاني من وجود .

ونحن عندما نُنوّه بكل هذه الحيثيات لا نقولها تعصباً ولا تحدياً لأحد ، بل نُذَكّر بأن الصليب وُجِدَ لخير البشرية ولمنفعةِ كلِّ قارئ من أي عقيدةٍ كان ، فالصليب يحمل رحمةً لكَ .. ولكِ ..

وهو مفتاحك للأبدية ومرساة نجاتك من عذاب الأبدية . لذلك سجل بولس الرسول افتخاره بالصليب حين قال : حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح ، الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم .

يقصد أنه بصليب المسيح قد صُلب العالم بشهواته وإغراآته فلا استجابة لها عندي ، وأنا أيضاً بصليب المسيح قد صُلبتُ عن شهوات الدنيا ودناياها ، فعندما تناديني مغريات هذا الزمان لا حياة لمن تنادي. فالمسيح بصليبه فك أسري وحررني من كل مغريات الدنيا . ولذلك أفتخر بصليبه .. هذا ما عناه بولس رسول المسيح .

ولمعلومات القراء الكرام … فبولس الرسول كان قبلاً عدواً للمسيح ولأتباع المسيح إلى أن تراءى له المسيح على طريق الشام برؤيا معجزية غيّرت حياته وغيَّرت نظرته للمسيح فلم يعاند الرؤيا وما حملته له من نورٍ وحق ، فآمن وأصبح في طليعة رسل المسيح .

القارئ الكريم

لم تأت عقيدة الصلب من فراغ ، ولا جاءت من خيال الناس لتنهي قصة حياة شخصٍ اسمه المسيح ولد وعاش ومات ، حسب المقولة : تعددت الأسباب والموت واحد ، فاخترعوا له سبباً للوفاة فقالوا صلب … ولنفترض جدلاً أن الصلب لم يحدث أبداً للمسيح ، ألا ترى حينها قارئ العزيز أننا مع هكذا فرضية نقف أمام فراغٍ مبهم في تاريخ حياة المسيح لا تفسير له ؟.. فكيف انتهت إذاً حياتُه ؟.. ولماذا يَغْفَلُ الوحيُ من ذكر ذلك بتفاصيله الدقيقة ؟.. ألم يحدثنا الوحي عن تفاصيل ميلاده بكل دقةٍ ووضوح ؟.. جاء في سفر الأمثال : نهاية أمرٍ خير من بدايته .

وهل يعقل أن تبقى هناك فترةٌ مبهمة في تاريخ حياة المسيح . فكيف كانت نهايةِ هذا العظيم الذي لم يعرف العالمُ على مدى التاريخ أعظمَ منه أو من يماثلُهُ في الجلال؟.. أيُعْقَلُ أن نعرف عن أفلاطون وهانيبال وامرؤ القيس وجبران خليل جبران كيف ماتوا وكيف انتهت حياتهم ، ثم عندما نأتي إلى سيرة حياة سيدٍ فاق مجداً كالمسيح لا نعرف شيئاً عن تفاصيل نهاية حياته؟.. أو أن تتضارب الروايات حول وكيف انتهت حياته ؟.. وهو العظيم الذي عاش أعظم من عظيم فأبهر الدنيا بمعجزاته وبتعاليمه وأقواله ومبادئه وسلوكياته!… أيُعقل هذا؟!!!.

أما الحق .. فالرواية الوحيدة الواضحة التي بقيت لوحدها في الميدان على مرِّ الزمن بلا منافسٍ ولا جدال وهي مبنية على علمٍ صحيح بخصوص نهاية حياة المسيح على الأرض هي رواية الصليب كما دونها الوحي في انجيل الحق ..وفوق هذا وذاك للرواية شهود كثيرون ، منهم قديسون مؤمنون هم أتباع للمسيح الذين شاهدوا الحدث وهم بكامل وعيهم ، وحاشا لله أن يضلهم أو يخادعهم في ما رأوه . فهؤلاء ممن قيل عنهم ” وآمنت فئة ” ولم يكونوا من الكافرين . وهناك شهود آخرون من أعداء المسيح الذين نادوا بصلبه فحرصوا على أن يشاهدوا تنفيذ المهمة بكل دقة ومعهم أيضاً كان الجنود الرومان الذي نفذوا عملية الصلب. وكان غيرهم جموعٌ أخرى حملتهم الأقدار أن يمروا في الطريق المحاذي لساحة الصلب ، وهناك غيرهم ممن تَتَبَّعوا الأخبارِ فجاؤا يدفعهم حب الاستطلاع وشاهدوا ما جرى فأي حاكم أو قاضٍ عادل يُسْقط شهادة كلِّ هؤلاء الشهود ويأمر بملف القضية للحفظ بسبب عدم توفر الأدلة !.. والأدلة كثيرة .

القارئ الكريم

لي صديق يحاورني أحياناً وأُحاوره، قال لي يوماً : نحن لا نقبل بصلب المسيح احتراماً وتقديراً له . فالأنبياء معززون مكرمون لا نرضى لهم بالضيم أو الإهانة!… فقلت : ألا ترى معي بأن مشاعر الود والتقدير هذه لا تلغي ما تعرض له الأنبياء من اضطهاداتٍ ومضايقاتٍ ومن وتهديدٍ وقتلٍ وتعذيبٍ ؟..

فكم من نبي اعتدُي عليه فعُذِّبَ أو قُتل أو سُمِّمْ ؟. والتاريخ سجل الوقائع ، والأجيال من بعدهم قبلت بالواقعة وصدقتها …

قال : صحيح !.. قلت : لماذا إذاً يَنْصَبُّ الاعتراضُ حصراً على حادثة صلب المسيح بالذات ؟.. أهلْ لأنك تسمو به عن غيره من الأنبياء أم ماذا ؟.. فابتسم صديقي وهو يحاول ان يجد مخرجاً من هذا الحرج ثم قال : ألا تذكر أن بطرس كبير الحواريين عندما تحدث المسيح لهم بأنه سَيُسَلَّم لأيدي اليهود ويُصْلب ، فاحتج بطرس وعاتب المسيح رافضاً فكرة الصلب ؟..

فقلت لصديقي : هل لك أن تفتح الانجيل في متى الأصحاح 16 وتقرأ النص وتسمعّني ؟. عندها تحمس صديقي وفتح الإنجيل وقرأ الكلمات التالية :

” من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظْهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقْتل وفي اليوم الثالث يقوم . فأخذه بطرس إليه قائلاً حاشاك يا رب بأن يكون لك هذا “!!.

وهنا توقف صديقي عن القراءة ونظر إلي نظرة الغالب وقال : ألا ترى كيف اعترض بطرس على فكرة قتل المسيح بأيدي اليهود وصلبه ؟..

فقلت له : مهلاً يا صاحبي .. أكمل ما ابتدأت به !.. فواصل القراءة وكانت الكلمات التالية :

“فالتفت المسيح وقال لبطرس : اذهب عني يا شيطان . أنت معثرة لي ، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس “.

عندها توقف صديقي عن القراءة ونظر إليّ وابتسم وقال : ننهي الموضوع فقلت : لا ، دعنا نكمل ما ابتدأناه . لا تخف فلن أقول لك اذهب عني يا شيطان . فأنا لست المسيح . ولكن دعني أسألك : هل قصد المسيح فعلاً أن بطرس شيطان ؟..

فقال صديقي : لا طبعاً ، إنما أعْتَقِدُ أنه قصد أن الشيطان همس في أذن بطرس وأوحى له بأن يعارض فكرة الصلب مثيراً فيه موقف المجتمع البشري الذي لا يقبل أن يهان سيدٌ كريم ، لذلك قال لبطرس : أنت لا تهتم بما لله لكن بما للناس .

فابتسمت وأُعجبت بهذا التفسير السديد وغير المتحيز من صديقي وقلت له : والآن بماذا تهتم أنت ؟.. أبما لله الذي يؤكد حقيقة صلب المسيح ، أم بمن يتحاشون الصلب ويعارضونه ؟.. فضحك صديقي وتململ وهز رأسه يميناً وشمالاً أمام هذه المداعبة الكلامية ، ثم طوينا ملف الحوار واستأذن للخروج على أن نواصل الحوار في بحوث أخرى بنفس هذه الروح من الأُخوة والصراحة ، فلا للتعصب ، ولا للحدّة ، وإن اختلفنا في شيء فالخلاف لا ينفي الود والتقارب والتعامل بالحسنى بين الجار وجاره وبين الصديق وصديقه أو الموظف أو زميل العمل والآخر …

فلا تحقير ولا تكفير من طرفٍ لآخر ، فالدين لله ، والديان العادل هو الله ، والمصير إليه . أما الذين ينصبون أنفسهم مكان الله في الحكم على الآخرين بسبب معتقدٍ على غير ما يَرَوْنَهُ فيُنـزلون بهم القصاص فهم يخطئون ، لأنهم يستبقون الله في حكمه عليهم ، فيوم الدين لم يأت بعد. وهذا يذكرني بحادثة جرت مع المسيح :

جاؤا بامرأةٍ أمامه وقالوا له : هذه أُمسكت في ذات الفعل إنها زانية ألا تأمر بأن نرجمها؟.. ثم ساد صمتٌ قصير وهم ينتظرون جوابه … بعدها نظر إليهم بعينين ثقبت ضمائرهم فقال : من منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر !… فانسل الرجال الواحد تلو الآخر . ثم التفت المسيح إلى المرأة التي بقيت لوحدها وقال يا امرأة أين الذين اشتكوا عليك ؟.. أما دانكِ أحد ؟..

فقالت : لا أحد يا سيد .

فقال اذهبي ولا تخطئي أيضاً … فذهبت تائبة ، لأن موقف المسيح بتلك الصورة كان فيه أنجع علاجٍ للوضع المتردي الذي كانت به !..