فيلون الأسكندرى

فيلون الأسكندرى (30 ق.م ـ50 ب.م)

د. ميشيل بديع

 

يعتبر أنه أكبر ممثل للفكر اليهودى المثقف باليونانية في ذلك العصر (أى الأول المسيحى). وقد كان بين اليهودية والوثنية اتصال وتفاعل. فمن جهة، كان بعض الوثنيين يخصّون “العامى” إله اليهود بعبادة إلى جانب عبادتهم لآلهتهم، وكان آخرون يعتنقون عقائد اليهودية، وآخرون يدخلون في الديانة اليهودية. ومن جهة أخرى كان اليهود يتأثرون بالفلسفة اليونانية، اعلاهم شأنًا وأعظمهم نفوذًا بين بقية إخوانهم هم يهود الأسكندرية، وكانوا يؤلفون جالية غنية زاهرة آخذة بحظ كبير من الثقافة اليونانية حتى أنهم لم يكونوا يقرأون التوراة إلاّ في الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية، ولكن كان منهم الملحدين الذين أضلتهم الفلسفة اليونانية فاعرضوا عن الله وشريعته. وكان آخرون متمسكين بعقائدهم ويتحللون من قيود الشريعة بالتأويل المجازى. على أن كثرتهم بقيت متمسكة بديانتها القومية وأمينة لتعاليمها. وكانوا كثيروا التأليف يذيعون باليونانية، معتقداتهم وآمالهم في كتتب يعزونها إلى أسماء لامعة من قدماء الشعراء والفلاسفة. وقد ضاع معظم هذه الكتب، غير أن ما بقى منها يحمل الدلالة الكافية على أهم التيارات الدينية والفلسفية بينهم.

أشهر هؤلاء المؤلفين هو “فيلون”. فما يذكر عنه انه في اواخر أيامه ذهب مع وفد إلى روما ليشكو معاملة الحاكم الرومانى على مصر لأهل دينه. ولم يكن يعرف العبرية، فقرأ التوراة باليونانية وشرحها بهذه اللغة، قاصدًا أن يبين لليونانيين أن في التوراة فلسفة أقدم وأسمى من فلسفتهم، على أنه كان قد حاول ما كان قد حاوله غيره من اخوانه في الدين. وهو يدمج في شرحه الضخم آراء الفلاسفة مبعثرة من غير ترتيب، ولا يعنى بتلخيص آرائه وتحديد معانى ألفاظه، بل لا يحجم أحيانًا كثيرة عن الجمع بين آراء متنافرة. كما أنه يقارب بين بعض الأفكار اليونانية وأقوال التوراة، ولكنه يعترف للمفكرين اليونان بالابتكار والعبقرية. ومن بعده صارت فكرة أخذ اليونان عن التوراة مألوفة بين اليهود والممسيحيين. وهو لا يفصل بين الفلسفة والدين ولكنه يتخذ الدين أصلاً ويشرحه بالفلسفة. كما أنه دون بعض الكتب الفلسفية البحتة، مثل كتاب: “في دوام العالم”، وأيضًا كتاب “في العناية”.

 

الشرح الرمزى

كان يهود الأسكندرية يفسرون الأسفار الخمسة تفسيرًا رمزيًا على غرار شرح الفيثاغوريين والأفلاطونيين والرواقيين لقصص الميثولوجيا الإغريقية والعبادات السرية. فالتوراة في جملها عبارة عن تاريخ بنى إسرائيل وما نالهم من نِعَمْ حين كانوا يحفظون شريعة الله، وما أصابهم من سخط حين كانوا يعصونها: فقال إنها تمثل قصة النفس مع الله، فتقترب النفس من الله بقدر ابتعادها عن الشهوة فتنال رضاه، وتبتعد عنه بقدر انسياقها للشهوة فينزل بها سخطه وغضبه. وكانوا يؤولون الفصل الأول من التكوين مثلاً بأن الله خلق عقلاً خالصًا في عالم المثل هو الإننسان والمعقول، ثم صنع على مثال هذا العقل عقلاً آخر أقرب إلى الأرض (هو آدم) وأعطاه الحس (وهى حواء) معونة ضرورية له، وأطاع العقل الحس وانقاد للذة (الحية) فولدت النفس في ذاتها الكبرياء (قابيل) وجميع الشرور، وانتفى منها الخير (هابيل) وماتت موتًا خلقيًا.

وعبور البحر الأحمر يشير إلى أنه رمز لخروج النفس من الحياة الحسية. وسبعة أغصان الشمعدان بأنها رمز للسيارات (الكواكب) السبع. والحجران الكريمان اللذان يحملهما الكاهن الأكبر، بأنهما رمز للشمس والقمر أو لنصفى الكرة الأرضية. والآباء الذين يعود إليهم إبراهيم، بأنهم رمز الكواكب، أو للعناصر الأربعة. والفصح بأنه رمز لترك النفس للجسم وشهواته، وشجرة الحياة في الفردوس الأرضى بأنها رمز لأعم الفضائل وهى الطيبة والخلق. واقتران إبراهيم بسارة، بأنه رمز لاتحاد الإنسان الصالح بالفضيلة … الخ.

يصطنع فيلون هذا النوع من الشرح، غير أنه يتوقف فيه عند حد، ويقبل المعنى الحرفي، لإيمانه الوطيد بالله وشريعته وبالتقاليد. وإن كان يلتجئ إلى الفلاسفة أحيانًا. كما أنه يصطنع أيضًا الرمز العددى المأثور عن الفيثاغورية القديمة والجديدة، فيقول مثلاً إن الواحد غير منقسم، فهو صورة العلة الأولى وموجد النفس والحياة، وأن الاثنين منقسم، فهو أصل الشقاق وأخو الشر، … الخ. واتجاهه العام في شرحه للشريعة هو وضع المعنى الخلقي في مقابل المعنى الحرفى، أو نقل الثانى إلى الأول أحيانًا. فيرى في الطقوس علامات على الشروط الخلقية اللازمة للعبادة. ففي تحريم الحيوانات النجسة وجوب قمع الشهوات الرديئة. ومثل هذا النوع ينزع عن الشريعة صفتها الظاهرية أو المدنية ويحولها إلى قانون باطنى.

وقد استبعد فيلون من اليهودية كل طموح سياسى، وقال إن “اليهودى” هو يهودى دينًا لا جنسية أو قومية، ويجب عليه أن يكون مواطنًا في البلد الذي يقيم فيه. ويحوّل الوعود الإلهية الواردة في التوراة بخيرات دنيوية ومستقبل سعيد لشعب إسرائيل إلى وعود بخيرات روحية للنفس الصالحة وبسيادة الشريعة على العالم. حتى التئام شمل اليهود في بلد واحد بعد توبتهم، يفسره بمعنى اجتماع الفضائل في النفس وتناسقها بعدما تحدثه الرذيلة من تشتت. والمسيح عند فيلون بمثابة الملك الحكيم عند الأفلاطونية والرواقية، يفرض سلطان بصفاته الخلقية من وقار يوحى بالإحترام، وهيبته توحى بالخوف، وإحسانه يوحى بالمحبة.

 

الوجود

تصور فيلون للوجود مزيج من العقيدة اليهودية والفلسفة اليونانية، فالله عنده مُفارِق للعالم، خالق له ومهتم به، ولكنه بعيدًا تمامًا عما يدركه العقل بحيث لا نستطيع أن نعلم عنه شيئًا آخر. فكل ما ورد في التوراة من تشبيه يجب أن يُفسر بحسب هذا الاعتبار. وليس الله ـ بالنسبة لفيلون ـ هو إله إسرائيل فحسب وإنما هو إله العالم أجمع. وأسماؤه تدل على الكلية، فهو الكائن، والكائن حقًا، وهو العلة الأولى، وأبو العالم. فإن صادف قول العهد القديم “إله إبراهيم واسحق ويعقوب” فيشير ذلك إلى أن إبراهيم هو العالم، واسحق الطبيعة، ويعقوب هو الزهد، بحيث لا تدل الأسماء الثلاثة إلاّ على مصادرنا الثلاثة لمعرفة الله. وهو يسمى الله شمس الشمس، والشمس المعقولة للشمس المحسوسة، آخذًا عن أفلاطون، ويتابع قول أفلاطون إن الله صنع العالم لمحض خيريته، ثم يجاوز جميع الفلاسفة اليونانيين فيقول: لو أراد الله أن يدين الناس بلا رحمة لقضى عليهم بالهلاك، لأن أحدصا منهم لا يستطيع بنفسه أن يجرى شوطه كاملاً دون أن يسقط ولو عن غير قصد. لذا يجمع الله الرحمة إلى العدالة لكى يخلص الناس وهو لا يرحم بعد الإدانة، ولكنه يدين بعد الرحمة لأن الرحمة عنده سابقة على العدالة.

غير أن علة الله عنده نوعان: علة مطلقة وعلى نسبية، كما تظهران من هذه العبادة: “إن الله لم يخرج الأشياء إلى النور فحسب، ولكنه صنع أيضًا الأشياء التي لم تكن من قبل، وهو ليس صانعًا فقط، ولكنه خالق” بمعنى أن العالم المعقول قد خُلق من العدم، وأن الأرواح خالية من المادة، وقد ولدها الله كما يلد العقل أفكاره، أما العالم المحسوس فنتيجة تنظيم الله لمادة سابقة أو نتيجة فعل وسطاء بين الله والمادة، كما يذهب إليه أفلاطون.

ويعلل فيلون هذه التفرقة بأن الخلق صادر عن قدرة الله وعن صلاحه، فلا يُخلق من الله وحده إلاّ الموجود الكفيل بقبول هذا الصلاح. ويقول إن الله حين قال: “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” فقد خاطب وسطاء وأوكل إليهم صنع الجزء الفانى من أنفسنا على النحو الذي صنع هو به الجزء العقلى، لأن الإنسان مزيج من خير وشر، والله منزه عن الشر، فلابد أن مَن يصنع الشر كمبدأ في الإنسان يكون ليس هو الله. ولكن فيلون يفترق عن الأفلاطونية والغنوسية في أن يجعل المخلوقات التي هى أدنى من الإنسان، مصنوعات الله، لأنها ليست بذات أخلالاقه، والشر هو الشر الخلقى. ومن الوجهة الروحية هناك علة مباشرة وغير مباشرة، بين الإنسان العاجز والله العلى، لابد من وسطاء، فإن النفس لا تستطيع الوصول إلى الله دفعة واحدة، فتتدرج في صعودها إليه. وقد دعا فلاسفة اليونان هؤلاء الوسطاء آلهة وأبطالاً، ودعاهم موسى ملائكة أى رسلاً، فكان أكثر توفيقًا إذ انهم يبلغون اوامر الله إلى أبنائه ويحملون صلوات الأبناء إلى الله.

الوسطاء طبقات: الوسيط الأول هو “اللوغوس” أو “الكلمة” ابن الله نموذج العالم. ويليه الحكمة، فرجل الله أو آدم الأول، فالملائكة، فنفس الله، وأخيرصاا “القوات” وهى كثيرة من ملائكة وجن نارية أو هوائية تنفذ الأوامر الإلهية. على أن هناك نصوصًا تُشعِر بأن الوسطاء ما هم إلاّ وجات مختلفة للعلة الإلهية، وأنهم إنما يتمايزون في الذهن، ويرمزون إلى آثار الله أو حالات النفس. وقد أطال الباحثون النظر في أقواله عن اللوغوس لقرب عصره من المسيحية واحتمال تأثيره في القديس يوحنا الإنجيلى، ولكن عنده أقوال متعددة مختلفة عن يوحنا فاللوغوس تارة هو الوسيط الذي به خلق الله العالم، كما يصنع الفنان بآلة، والذي به نعرف الله، والذي يشفع لنا عند الله، وهو أحيانًا ملاك الله الذي ظهر للآباء وأعلن إليهم أوامر الله، على ما تذكر التوراة، وهو مرة أخرى قانون العالم وقدرته، بحسب مفهوم هراقليطس والوراقيين، ومرة أخرى ابن الله البكر، ومرة ثالثة الإنسان أو الإنسان الأعلى … إلى غير ذلك من التصورات والصور المتباينة عن اللوغوس.

وما نريد أن نقوله بصفة عامة هو أنه لا يوجد عند فيلون كلام عن الثالوث، وإذا كان يسمى أحيانًا الكلمة في بعض المواضع بأنه إله، فذاك تمشيًا مع الكتاب المقدس، دون أن يدرك كل مدلول التسمية، بل إنه يجتهد في تخفيف مدلولها فيقول: “يمكن تسميته بإلهنا نحن الناقصين”، و “بإله ثانوى” وهو إلى ذلك يطلق التسمية على موجودات هى عنده أقل استحقاقًا لها من اللوغوس: كالعالم والكواكب، على طريقة ما يفعله فلاسفة اليونان.

فاللوغوس وسيط بين الله والعالم “ليس غير مولود كالله، ولا مولودًا كالبشر” ولكننا لا نتبين طبيعة هذا الوسيط. والنظرية برمتها تنطوى على تناقض: إذا كانت المسافة بين الله والخليقة غير متناهية، فأى وسيط يستطيع الوصل بينهما؛ إذا كان إلهًا، كان هو أيضًا فوق متناول الخليقة؛ وإذا كان مخلوقًا، كان الله فوق متناوله، لذا فإن الكلمة بحسب مفهوم فيلون يعارض التعاليم المسيحية.

 

الحياة الروحية

على هذا التصور للوجود يؤسس فيلون تصوره عن الحياة الروحية. فغاية النفس هى الوصول إلى الله والاتحاد به. ومعرفتنا عن الله تكون 4 درجات: معرفة ناقصة جدًا تكتسب بالنظر في مصنوعات الله، وعند هذه الدرجة يقف الكثيرون، ومعرفة ترقى إلى سلم الوسطاء، وثالثة تدرك اللوغوس الوسيط الأعظم، ورابعة تدرك الله ذاته، وهى خاصة بأهل الكمال مثل موسى. فالنفس تسرع في صعود سلم الوسطاء حالما تتطهر بالزهد، وعلى الأخص بالعبادة الباطنية. ويبدأ التطهير والصعود حين يعلم الإنسان بطلان المحسوسات وزوالها. ويدلل فيلون على هذا البطلان بحجج “أناسيداموس” (من مذهب الشكَّاك). فهو يستند إلى الشك ليضع الإنسان أمام عجزه ويدفعه نحو الله. وهو يلجأ إلى الشك مرة أخرى ليبين أن البنوة من لدن الله، وأن العرافة الإنسانية إذا زعمت تجاوز المألوف المحتمل من الأحداث إلى الأبناء بالغيب، كانت باطلة، لأن كل شئ مقدور لله، فالله وحده يعلم المستقبل، والله وحده يصنع المعجزات، وليست المعجزة معارضة لقانون الطبيعة، لأن قانون الطبيعة هو العقل الإلهى، وإنما هى معارضة لتوقعاتنا. وهذا التوقع قائم على الظنون التي نركبها عن مجرى الطبيعة والمستقبل، فنرى هنا الإيمان بالقدرة الإلهية يميل بفيلون إلى اعتبار العلوم الطبيعية احتمالية وليس غير ذلك.

لقد كان لفيلون أثر قوى. ففي القرون الأولى للميلاد اتخدم البعض من المفكرين المسيحيين كتبه للوقوف على الفلسفة اليونانية، وقام البعض الآخر بتقليد منهجهه في شرح الكتب المقدسة، وظن بعض المؤرخين المسيحيين أنه مسيحى، وفي العصور الوسطى أدخلت قطع عديدة من كتاباته في “المنتخبات” ، والتي كانت شائعة والخاصة بأقوال كثير من آباء الكنيسة الأولى.