في ذكرى قطع رأس يوحنا المعمدان

 في ذكرى قطع رأس يوحنا المعمدان
ضد الزنى
للقديس ديمتريوس أسقف روستوف

فكان يوحنا يقول لهيرودس: “إنه لا يحلّ لك أن تكون لك امرأة أخيك” (مرقس 18:6). إن خطيئة الزنى ثقيلة جداً لأنها تدنّس النفس والجسد وتحرم الإنسان ملكوت السماوات حسب قول الكتاب المقدس: “ليس للزاني أو النجس ميراث في ملكوت المسيح والله” (أفسس 5:5). وقد يكون هذا الإثم أثقل وأفظع إذا تدنّس به المتمتعون بالحياة الزوجية الشرعية. فالقديس الرسول بولس يقول: “أنه ليس للرجل أو للمرأة سلطة على الجسد” (1كورنثوس 4:7). وعليه فخطيئة الزنى لا تدنّس الجسد فقط بل تجدّف على واضع الشريعة الذي هو الله. من البدء، خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى وقال: “لذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلزَم امرأته ويصيران كلاهما جسداً واحداً وما جمعه الله لا يفرقه إنسان” (متى 5:19). فالزاني يفرّق ما جمعه الله ويستهين بقداسة السر الذي يمثّل اتحاد المسيح بالكنيسة. يشمل الزنى أربعة أشخاص: إثنان يدنّسان نفسيهما وإثنان يحتملان الإهانة. أي الرجل الشرعي للمرأة الزانية والمرأة الشرعية للرجل الزاني. لذلك يقطع القديس باسيليوس الكبير الضالَّ عن مناولة الأسرار المقدسة لمدة سبع سنوات والزاني لمدة خمس عشر سنة.

الزنى يشبه الاختلاس. فالزاني، بموجب كلام أيوب الصديق: “يكون في الليل لصاً لأن عينه ترقب الظلام إذ يقول لا تبصرني عين فيجعل برقعاً على وجهه” (أيوب 14:24). فإثم الزاني أفظع من إثم اللص. اللص يسرق أشياء جامدة أمّا الزاني فيغتصب زوجة قريبه، يسلب الطهارة الزوجية التي هي أثمن من ألوف الذهب والفضة. قد يبرّر اللص نفسه قائلاً: “إنه يسرق ليأكل وهو جائع، أما الزاني بامرأة قريبه فلا عذر له بل يعجز عن تبرير نفسه لأنه فاقد اللب، إنما يصنع هذا مهلكُ نفسه” (أمثال 30:6 و31). وفي الحقيقة، إن الزاني فاقد اللب لأنه قادر أن يعيش من دون إثم مع زوجته الشرعية. لكنه يرغب في التسلّط على امرأة غريبة بالخطيئة المهلكة نفسه. بموجب كلام المسيح: “السارق لا يأتي إلاّ ليسرق ويذبح ويهلك” (يوحنا 10:10). أمّا الزاني الذي يسرق زواج الغير فهو مستعد للقتل إذا فوجئ بعمله الأثيم لأنه يهلك نفسه ونفس مَن يشاركه في فعل الإثم، فالإثنان يسيران إلى الهلاك الأبدي. والقديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “إن الزنى أردأ من السرقة لأن المرء لا يحزن لفقده المقتنيات كحزنه لفقده شرفه الزوجي”. وكما يقول القديس يعقوب الرسول: “إن الزنى عداوة للرب نفسه: أيها الفجّار أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله” (يعقوب 4:4). ما محبة العالم هذه؟ إن محبة الجسد هي عداوة لله. فهي ضد شريعة الله وتتجاوز الحدود الموضوعة من الله وتجعل الخالق كأنه لا شيء لأنه تعالى قد حدّد الحياة الزوجية للبشر. أترون ثقل خطيئة الزنى؟ الزاني لا يستحق الرحمة. فكما أن الربّان الذي يتعمّد إغراق سفينته لا يستحق الرحمة، كذلك الإنسان المرتبط بالزواج هو يدنّس مضجع غيره. إن كل مَن ينظر إلى امرأة غريبة ويشتهيها يكون مسؤولاً أمام الله والناس. لذلك لم يرحم الله الفجّار في العهد القديم ولم يغفر لهم، فقد قيل في شريعة موسى: “وأي رجل زنى بامرأة قريبه فليُقتَل الزاني والزانية” (أحبار 20:10). وإن كنّا نرى أن اللعنة الكنسيّة قد عُيِّنَت للزاني في العهد الجدد، فهذا لأن الله طويل الأناة ورحمته لا تُوصَف ولا تُقهَر من خطايا البشر المتنوّعة. خطيئة الزنى تسبّب رزايا كثيرة. يظن الزاني أن الجميع مطّلعون على إثمه ويهمّون به ويدينونه. وإن لم يوجد مَن يوبّخ الزاني فهو يوبّخ نفسه بنفسه. فإن رقد في سريره أو جلس على المائدة أو كان في السوق ليلاً ونهاراً، في اليقظة في النوم، فحياته تكون “كحياة قايين الذي كان تائهاً شارداً في الأرض” (تكوين 12:4).

لقد ارتكب داود الإثم سراً ووبخه النبي ناثان على انفراد. لكن داود خجل من جميع سكان أورشليم وقال: “خزيي أمامي النهار كله وخجل وجهي قد شملني” (مزمور 16:43). كم يكون مقدار خزي الإنسان إذا وبّخه أحد لأجل الزنى! الأفضل لمثل هذا ألاّ يولد في العالم من أن يحتمل هذا العار! وكم يكون فظيعاً غضب الرجل غضب غيرة “فلا يشفق على الزاني يوم الانتقام” (أمثال 32:6) وقد يكون الزاني أتعس من اللص المقبوض عليه لأنه قيل: وهو إن أخذ أدّى سبعة أضعاف كل ما يقتنيه. “أمّا الزاني فلا يقدر أن يسكّن غضب الزوج المُهان لأنه قيل لا يقنع وإن أُكثِرَت الرشوة” (أمثال 31:6 و35). أيقدر أن يؤدّي الزاني شيئاً للرجل بدل إغواء زوجته؟ ماذا يحلَ بالزوجة الشرعية عندما تعلم أن زوجها خانها؟ إنها تبكي وتكاد تتمزق من الغيرة. وكثيراً ما تقترف إثم الزنى هي نفسها أو تقتل زوجها. لذلك قيل: “أيأخذ إنسان ناراً في حجره ولا تحترق ثيابه؟ أم يمشي على الجمر ولا تكتوي قدماه؟ هكذا الداخل على امرأة قريبه كل مَن مسّها لا يكون زكياً” (أمثال 27:6-29). وفي القديم كانوا يرجمون الزناة بالحجارة أو يحرقونهم أو يجبرونهم على شنق أنفسهم وإذا تركوهم أحياء كانوا يقطعون أنوفهم وآذانهم ويجلدونهم ألف جلدة ويبيعونهم عبيداً. وقد يوجد بيننا نحن المسيحيين كثير من هؤلاء الخطأة لا يُعاقَبون بالموت لكن الديّان العادل سيعاقبهم في الحياة الآتية. ألا يعاقب السيد مثل هؤلاء في الحياة الحاضرة مرسلاً لهم مصائب مختلفة؟ أمّا الخطأة فلا يريدون أن يعترفوا بإثمهم! فكل مَن لا يقدر أن يحارب شهوة الجسد فليتزوّج كما قال الرسول بولس: “ولكن بسبب الزنى فلتكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها” (1كورنثوس 2:7). آمين.

 

 

 مجلّة التراث الأرثوذكسي