كيف نحيا بحسب الإيمان

كيف نحيا بحسب الإيمان
فيلاريت ميتروبولت موسكو (+1867)

الإيمان بالمسيح موجود على الأرض منذ ما يقارب الألفي عام، ولم يتخطاه أحد بأي طريقة. مئات الآلاف تحملوا بفرح العذابات بسبب محبتهم للمسيح وإيمانهم به. وفي زماننا الحاضر ظهر رجال “فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون” (2تيموثاوس 8:3) ووقفوا ضد إيمان المسيح وكنيسته. إن كل جهودهم هي هباء: فالرب قال أن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته (متى 18:6). لننظر إلى أنفسنا: هل فينا إيمان ثابت بالمسيح ومحبة له؟ ألا نخنق هذا الإيمان بأهوائنا وكسلنا وشكوكنا؟

آه أيها الأصدقاء، من دون الإيمان بالمسيح ليس هناك خلاص. علينا، بكل السبل، أن نضيء في أنفسنا روح الإيمان، أي أن نحفزها ونغذيها بالصلاة وكلمة الله والصبر والذكر الصادق للمخلص الذي تألم من أجلنا. كل هذا ممكن في كل يوم.

في الصباح

عندما تستيقظ، قبل كل شيء، فليقل قلبك ونفسك “المجد لك أيها الرب الذي حفظنا في هذه الليلة! المجد لك يا مَن أرانا النور! اللهم باركْ لنا هذا النهار”. وهكذا، فكّر في كيف أن الله يعطيك النهار الذي ليس لك أن تعطيه لنفسك، وكرّس الساعة الأولى، أو ربما الربع ساعة الأولى، من النهار المعطى لك وقدمّها كذبيحة لله بصلاة شكورة ملؤها الرجاء. إن نهارك يتقدّس وتحمي نفسك من الأهواء التي تلقاها يومياً، بقدر ما تقوم بهذا بحماس.

منزل المسيحي ولباسه

منذ الصباح وخلال النهار، فليكن التفكير بالمسيح نَفس حياتك والقوة المحرّكة لأعمالك. فإذا فكّرت ببيتك، تذكّر المسيح في المذود في أقمطة، مستلقياً على التبن، وطوال حياته بدون مكان يسند إليه رأسه، وفي النهاية مسجوناً ومسمّراً على الصليب، فاشكر ربّك على منزلك، على مأواك، مهما كان متواضعاً أو فقيراً. لا تحسد المساكن الكبيرة المزيّنة الفخمة: إن منزل المسيح هو القلب النقي.

عندما ترتدي ثياباً بسيطة، تذكّر المسيح معرىً ومن ثم لابساً ثياب الهزء. لا تقع في فخ المظاهر، ولا تتبع نزوات الموضة بصغر نفس، لكن حاول أن تستر نفسك بالصلاح والتواضع والحُلُم وتحمَّل العذاب مفتكراً بقلب يسوع الحليم والمتواضع.

إذا كنت تتناول غذاءً، تذكّر الخل والمرارة التي تذوّقها المسيح ولا تطلب طعاماً وشراباً وافراً مترفاً: إن الزائر السماوي لا يطلب أن يدخل منزل التعييد بل منزل الإنسان الذي يفتح له قلبَه. ضع في قلبك آلام المسيح على الصليب وموته وعليه، وفي حضوره غير المنظور أمِت أهواءك وشهواتك.

التعامل مع الآخرين

لاحقاً، عندما تتعامل مع الناس، الأقرباء منهم وغيرهم، قبل أن تقول أي كلمة، فكّر في ما قد يكون تأثيرها، وفكّر بجدية أكثر قبل أن تقوم بأي عمل في حضورهم، لأن صوت الأعمال أقوى من صوت الكلمات.

الأشغال العالمية

إذا كنت منشغلاً بأي عمل، قبل أن تطلب مشورة أي كان، أطلب نصيحة الإيمان. إلجأ إلى كلمات الرسول: “يا رب ماذا تريد أن أفعل؟” (أعمال 6:9) هل ما أنا بصدد القيام به مُرضٍ لك يا رب؟ إن كان يرضيك، باركْه وإلاّ فلا تتركني أقوم بما لا يرضيك. ومن ثم اصغَ إلى ما يقوله لك الرب في ضميرك وعقلك، وفي نصائح الناس الأتقياء والحكماء، ومتى بدأت بتنفيذ ما اخترته، صلِّ في قلبك ” يا رب أسرع إلى معونتي” (مزمور 1:70).

الغيابات

إذا كنت تقصد مكاناً ما، امضِ مع الله، كما فعل سلفنا التقي، “سِر أمامي” كما أمره الرب (تكوين 1:17)، فليبقَ أما ناظريك دائماً لأنه عن يمينك “مزمور 8:116). ضعْ في قلبك وفي أفكارك قدر الإمكان أن الله يراك، حتى تكون في آن واحد خجولاً وخائفاً من أن تقوم بأي عمل غير لائق أمام عين الله.

الكلمات والأحاسيس

إذا دخلت في رفقة الناس تصرّف بمنتهى الانتباه. إذا سمعت كلمة مديح فكن حذراً إذ غالباً ما يخفي المديحُ التملّق، ويقدر أن يثير في نفسك الاكتفاء الذاتي وإهمال تقدمك. إذا سمعت كلمة إهانة أو تحقير، انتبه ألاّ تشتعل بالغضب الذي لا يصنع بر الله (يعقوب 20:1). فليكن جوابك للذي أهانك إما الصمت أو كلمة حق متواضعة. إذا سمعت كلمة تتهم أخاً، انتبه ألاّ تكون شريكاً في خطيئة لسان شخص آخر. لا تُضِف إلى الكلمات التي تؤذي الشخص الذي يدين أكثر من المدان. إذا سمعت كلمة تحزن أخاً بأخبار سيئة، انتبه ألاّ يصبح حزنك أكثر قوة بسبب حسك الضعيف، ذوّبْه بالرجاء برحمة الله والصلاة الحارة: يا فرحي، خلصّني من الذين يكتنفونني (مزمور 7:32). تحمّل بدون تذمر الأحزان والمحن. لا مفر من الأحزان على الطريق المؤدية إلى ملكوت الله. كثيرة هي أحزان الصدّيقين. المسيح نفسه تحمّلها كما تحملتها والدة الإله. بدون أحزان لن نخلص، حتى في عمق الحزن آمن بأن الرب يحبك حقيقةً وهو يجربك فقط. تذكّر: أنت تعود أحياناً إلى المنزل من بعيد ماراً بطريق سيء أو في عاصفة أو على جليد أو في حر عظم، ومع هذا تمضي طوعياً وبصبر.على هذا المثال، اذهب بصبر عبر الطريق الصعب والمحزن إلى البيت السماوي، إلى ملكوت الله.

الحذر من الكتب المؤذية

إذا وجدت في كتاب أو رسالة ما كلمة عدم إيمان أو قلة وقار أو أدب، أدِر عينيك بعيداً بسرعة، لا تغوِ نفسك بفكرة قراءتها من باب الفضول أو التسلية. لا تقارب البذاءة. لا تلعب بالنار. لا تشتهِ اختبار طعم السم.

بالإجمال، كن سلامياً في علاقاتك مع الناس، عادلاً وشفوقاً. إعمل الصلاح حتى لأعدائك، متمثّلاً بذاك الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار. متى صليّت، إذا كنتَ تعيش بهذه الطريقة، فلا شيء من بعدها قادر أن يعترض سبيل صلاتك إلى الملكوت.

الحضور إلى الكنيسة

عندما يحين الوقت، خاصة المخصّص لله ولمعبده، في عيد أو في ساعة الخدم الإلهية، أسرعْ في اجتذاب نفسك بعيداً عن الأعمال والاهتمامات الدنيوية وقدّم نفسك طوعياً وبحماس لله في كنيسته. عند دخولك الكنيسة، تذكّر وعد السيد للذين يجتمعون باسمه: هناك أكون في وسطهم (متى 20:18). قفْ بورع في الكنيسة كما أمام وجه المسيح وصلِّ إليه حتى يقدسك بقداسته ويحركك بصلاته وينيرك بكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار. احفظ هذا أيضاً: في الكنيسة، يخدم الملائكة معنا ويحرسون مسكن القداسة هناك. في دير القديس ثيوذوسيوس بالقرب من أورشليم، في أحد الآحاد، فيما كان الأب ليونتيوس آتياً إلى الكنيسة للمناولة رأى ملاكاً واقفاً إلى يمين المائدة. ولمّا حاول الهرب إلى قلايته خوفاً، ناداه الملاك قائلاً: “منذ أن كُرِّسَت هذه المائدة وأنا مكلّف بالبقاء إلى جانبها”. تذكّر هذا أيها المحبوب وقِفْ بورع. وإذا أحسست بأن جسدك وحده واقف في الكنيسة، بينما فكرك يهيم في المنزل أو في السوق أو في أمكنة المرح، جمّع نفسَك. أسرع إلى استعادة عقلك الذي شرد، ضمّه إلى الله في قلبك، ألزِمه أن يسعى نحو الله الذي ينظر إليك. عندما تسمع كلمة الله، لا تكتفِ بفتح أذني جسدك فقط بل أيضاً أذنيك الروحيتين، إفتح قلبك، تقبّل هذا الخبز السماوي وبه لا تغذِّ ذاكرتك فحسب بل أيضاً حياتك وعملك.

المناولة

عندما تستعد لتكون مشاركاً في جسد المسيح ودمه، أو عندما تكون موجوداً عند إقامة هذا السر، اخترق بالعقل والقلب إلى صليب الرب وقبره، إلى جسده المتألّم المائت المدفون القائم والممّجد، وآمِن بأنك بملامستك إياه بالإيمان سوف تكون تشبع أكثر من النازفة الدم عند لمسها ذيل ثوبه، وبأن قوة المسيح سوف تخرج منه (لوقا 46:8) لتطهّر قوى روحك وجسدك وترفعها.

الاحتفال بالأعياد

بعد ترك الكنيسة والعودة إلى البيت، لا تهرع إلى الأعمال العالمية في الأيام المخصصة لله. إن العمل الذي تقوم به بشكل غير مشروع في أيام الأعياد لن يجديك أي ربح. استوعب أنك إن لم تأتِ لتشكر الرب وتمجده في كنيسته، فستكون أكيداً من أنه لن يرسل بركته على عملك خارج الكنيسة (حجاي 9:1). وإذا قرّرت في بعض الأوقات أن تبرر لنفسك عدم الذهاب إلى الكنيسة فكن خائفاً من ألاّ يأخذك الموت فجأة وألاّ يُقال لك: تذكّر أنك استوفيت خيراتك في حياتك (لوقا 25:16). فليحفظنا الله من هذا المصير.

لا تنسَ أبداً أن نفسك هي هيكل الله، وإذا أتتك في أي وقت أي فكرة دنسة أو شهوة شيطانية كي تدفع جسدك أيضاً إلى الخطيئة، أسرع بحماية ذاتك بالكلمات التي قيلت للمسيحيين في العصور الأولى، وبالتالي لك: “ألا تعلمون أنكم هيكل الله، وأن روح الله ساكن فيكم؟” (1 كورنثس 16:3). عندها قلْ لنفسك: “كيف أحتمل أن أهدم هيكل الله بالخطيئة والجور؟ كيف استطعت أن أكون وقحاً إلى درجة أن أهين الروح القدس أو أصرفه؟”

في المساء

الآن انتهى النهار وأنت ذاهب لتنام. تأمّل في فكرة أن الله يعطيك راحة من الأعمال، وخُذْ أول ثمار راحتك وقدمها إلى الله بصلاة نقية متواضعة. إن عطرها سوف يستدعي ملاكاً لحفظ راحتك. خلال الاستعداد للنوم تذكّر الموت إذ إن النوم هو صورة عنه وبداية له، وبصلاة مليئة بالإيمان سلّم نفسك لمَن هو القيامة والحياة (يوحنا 25:11). ولكن عندما تغلب النوم أو عندما لا يغلبك، تذكّر اسم الرب في الليل (مزمور 55:118).

هكذا يجب أن يكون النظام الثابت للمؤمن ونشاطه حتى يقترب تدريجياً من حالة النفس التي فيها يصف الرسول نفسه: أحيا في إيمان ابن الله الذي أحبّني وأسلم نفسه من أجلي…. فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في (غلاطية 20:2).

تعريب الأب أنطوان ملكي
مجلّة التراث الأرثوذكسي