التسبيح والالحان فى الكنيسة القبطية

التسبيح والالحان فى الكنيسة القبطية

مقدمة عن العلاقة بين الطقس والعقيدة ؟
+ الطقس يشرح العقيدة ويطبقها عملياً .
+ الطقس يحرس العقيدة ويحفظها من الإنحراف أو النسيان .
+ العقيدة فكر أما الطقس فتطبيق .. لذلك يمكن أن تنحرف العقيدة إن صارت فكراً بلا عمل أو حياة .
الليتورجيا مصدر غنى الكنيسة وقوتها :
+ إستطاعت الكنيسة على مدى تاريخها الطويل أن تصيغ كل عقائدها – بالتفصيل – فى طقس مُعاش .
+ يمكن إكتشاف العقيدة الأرثوذكسية بتفاصيلها وكذلك الرد على البدع الموجهة إليها من خلال معايشة الطقس .
+ إن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحمل فى داخلها – أى فى الممارسات الطقسية – وثيقة صحة عقيدتها .
+ فى أحلك فترات الكنيسة عبر التاريخ عندما ضعفت الرعااية وشح التعليم عاشت الكنيسة تتغذى على الطقس .
+ إستمر الشعب – بمعايشته الطقسية – فى إنتمائه العميق للكنيسة بالرغم من الإضطهادات وكل الضغوط .

أهمية التسبيح :
“طُوبَى لِلشَّعْبِ الْعَارِفِينَ التَّسْبِيحَ. يَا رَبُّ بِنُورِ وَجْهِكَ يَسْلُكُونَ. بِاسْمِكَ يَبْتَهِجُونَ الْيَوْمَ كُلَّهُ وَبِعَدْلِكَ يَرْتَفِعُونَ” (مز 85)
” أَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ ” (مز 22: 3)
” تُسَبِّحُهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْبِحَارُ وَكُلُّ مَا يَدِبُّ فِيهَا ” (مز 69: 34)
التسبيح عمل الملائكة (طعام الملائكة) :
إشعياء رأى “السَّيرَافِيم وَاقِفُونَ.. وَهَذَا نَادَى ذَاكَ «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ»” (إش6: 3)
“هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي ، سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ” (مزمور 148)
وفى الميلاد : ” ظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: «الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» ” (لو 2: 14،13). أما القديس يوحنا الرائى يقول: ” نَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ» ” (رؤ 5: 12)

فوائد التسبيح والألحان الكنسية :
+ عامل كنسى هام لتوحيد الكنيسة كلها وإذابة الفوارق بين الفرد والجماعة.
+ تنشط روح العبادة وتشعل الحرارة الروحية للمصلين.
+ لها قوة عجيبة فى تغيير الميول الرديئة إلى ميول حسنة ويكفى الدليل على ذلك تأثير ألحان أسبوع الآلام .
+ المواظبة على التسابيح والألحان تدخلنا فى سيرة روحانية وهى قادرة على أن تغيرنا إلى شكل روحانى .
+ تقدس أفواهنا وعقولنا وأوقاتنا وتربطنا بالسمائيين والأبدية .
+ كانت ومازالت إحدى الوسائل القوية فى نقل وتسليم العقائد المسيحية الأرثوذكسية عبر الأجيال.
+ يقول القديس باسيليوس عن فوائد الألحان والتسابيح الكنسية : إن الألحان هى هدوء للنفس وواحة للروح وسلطان السلام الذى يُسكن الأمواج ويُسكت عواصف حركات قلوبنا .
+ يقول القديس يوحنا ذهبى الفم : لا شىء يعطى للنفس أجنحة وينزعها من الأرض ويخلصها من رباطات الجسد ويعلمها إحتقار الأمور الزمنية مثل التسبيح بالنغمات الموزونة .
التسبيح والألحان فى العهد القديم:
عرفت كنيسة العهد القديم ومارست الألحان الروحية ، وهذه بعض الأمثلة:
عند عبور البحر: ” حِينَئِذٍ رَنَّمَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هَذِهِ التَّسْبِيحَةَ لِلرَّبِّ: أُرَنِّمُ لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَظَّمَ …” (خروج 15)
” وَأَفْرَزَ دَاوُدُ .. لِلْخِدْمَةِ بَنِي آسَافَ وَهَيْمَانَ وَيَدُوثُونَ الْمُتَنَبِّئِينَ بِالْعِيدَانِ وَالرَّبَابِ وَالصُّنُوجِ. ” (1 أخ 25: 1)
وعندما مَلك سليمان ” كَانَ لَمَّا صَوَّتَ الْمُبَوِّقُونَ وَالْمُغَنُّونَ كَوَاحِدٍ صَوْتاً وَاحِداً لِتَسْبِيحِ الرَّبِّ وَحَمْدِهِ وَرَفَعُوا صَوْتاً بِالأَبْوَاقِ وَالصُّنُوجِ وَآلاَتِ الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ لأَنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ أَنَّ بَيْتَ الرَّبِّ امْتَلأَ سَحَاباً. وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ السَّحَابِ لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ اللَّهِ ” (2 أخ 5: 14،13)
ويخبرنا دانيال النبى عن الثلاثة فتية القديسين الذين أنقذهم الرب من آتون النار : “حينئذ سبح الثلاثة بفم واحد ومجدوا وباركوا الله في الآتون قائلين: مبارك أنت أيها الرب إله آبائنا وحميد ورفيع إلى الدهور” (تتمة دانيال 3: 52،51)
وكذلك فى أيام حزقيا الملك : “وَقَفَ اللاَّوِيُّونَ بِآلاَتِ دَاوُدَ وَالْكَهَنَةُ بِالأَبْوَاقِ. وَأَمَرَ حَزَقِيَّا بِإِصْعَادِ الْمُحْرَقَةِ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُحْرَقَةِ ابْتَدَأَ نَشِيدُ الرَّبِّ وَالأَبْوَاقُ بِوَاسِطَةِ آلاَتِ دَاوُدَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ ” (2 أخ29: 27،26)
أما سفر المزامير فهو غنى بالدعوة إلى التسبيح حتى أنه إختُتِم ” كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرَّبَّ. هَلِّلُويَا” (مز150: 1)
التسبيح والألحان فى العهد الجديد:
لقد مارس الرب يسوع نفسه التسبيح مع تلاميذه ، إذ بعد العشاء “سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ” (مت26: 30)
وبعد صعود الرب : “كَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ… مُسَبِّحِينَ اللهَ وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع2: 47،46)
حتى مقعد باب الجميل حينما شُفى “وَثَبَ وَوَقَفَ.. وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ ” (أع8:3)
وفى سجن فيلبى “نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا ” (أع16: 25)
وفى رسائل العهد الجديد الكثير من الوصايا التى تحُث على التسبيح : ” أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ ؟ فَلْيُرَتِّلْ” (يع 5: 13)، “مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ .” (أف5: 19)، ” لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً ، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ ، بِنِعْمَةٍ ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ.” (كو3: 16) ، “«أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ» ” (عب 2: 12) وفى سفر الرؤيا يقول: “وَخَرَجَ مِنَ الْعَرْشِ صَوْتٌ قَائِلاً: سَبِّحُوا لإِلَهِنَا يَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ الْخَائِفِيهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ” (رؤ19: 5).

تاريخ التسبيح والألحان فى الكنيسة :
+ إحتفظت الكنيسة القبطية بألحانها نقية بالرغم من إختلاف الزمان والمكان والأفراد ، حيث أن الله قد سمح ببعض الظروف التاريخية التى تضمن بقاء الألحان نقية دون أى تأثير خارجى .
+ إن وضع الألحان والتسابيح فى الكنيسة كان منذ القرون الأولى للمسيحية ، ربما لم يكن بالنظام الحالى ولكنها كانت معروفة منذ نشأة المسيحية ، وإليك بعض الأدلة على ذلك:
+ فى مخطوطة ترجع للقرن الأول الميلادى لبلنيوس الوالى، وهى عبارة عن رسالة بعث بها إلى أحد الملوك عن المسيحيين: [.. ومن عادة المسيحيين أن يجتمعوا فى يوم معلوم قبل النهار ليرتلوا تسبيحاً للمسيح كما يكون لله ].
+ وذكر ترتليانوس (160م – 220م) فى احتجاجه رقم ٣٩ : [ وتُقرأ الكتب المقدسة ويُتلى على الشعب مواعظ مختصرة عن الواجبات المسيحية ويُرنم ترنيمات وأخيراً يُمارس العشاء الربانى وولائم المحبة التى يقدمها الشعب].
+ شهد القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (٢٠٠م -٢٥٨م) فى مؤلفه عن الصلاة بأن مسيحى الكنيسة الأولى كانوا يترنمون بالترانيم والتسابيح الروحية فى إجتماعاتهم الدينية وكان الشعب يجيبون بصوت جهورى .
+ وجاء فى قوانين مجمع اللاذقية الإقليمى (٢٦٤م) : لا يجوز أن يرتل فى الكنيسة إلا المرتلون القانونيون (الشمامسة) الذين يصعدون على المنبر ويرتلون بدفاترهم وكتبهم .
+ وقال القديس باسيليوس الكبير (329م – 379م) : [ إن العوائد المتملكة الآن فى جميع كنائس الله هى موافقة ومطابقة بعضها لبعض فإن الشعب عندنا يسير ليلاً إلى بيت الصلاة فيعترف لله بألم وضيقة قلب وإنسجام العبرات،
ثم إنهم ينهضون من الصلاة وينتصبون للتراتيل فمرة ينقسمون إلى فرقتين ويرتلون على التناوب، ومرة يتركون واحدًا يشرع بالترتيل والباقون يردفون بالتنغيم وهكذا يقضون الليل بتوزيع الترتيل وهم فى أثناء ذلك يصلون ].
+ القديس أثناسيوس الرسولى (297م – 373م) عَّدل فى طريقة الألحان وأدخل طريقة التسبيح باللحن المعتدل إذ أمر الشمامسة أن ينطقوا الكلمات عند قراءة المزامير بأقل ما يمكن من الهزات حتى تُسمع بوضوح .
+ ويخبرنا سقراط المؤرخ الكنسى (379م -439م) أن القديس أغناطيوس الأنطاكى الذى أستشهد سنة ١٠٧ م أمر المؤمنين أن يكونوا منهم جوقتين ليرتلوا أناشيد الثالوث الأقدس وقد نقلت ذلك عنه الكنائس جميعًا .
+ بعد مجمع خلقيدونية عام451م تقوقعت الكنيسة القبطية خوفا من الهراطقة، فلم تتأثر بالعصور الوسطى المظلمة.
+ حتى فى العصور الحديثة سمح الله بتواجد الكنيسة فى وسط غير مسيحى لتبقى الألحان نقية فى داخلها دون تأثر.
+ تدهورت حال الأقباط إبان العصرين التركى والعثمانى – فى الوقت الذى ماتت فيه اللغة القبطية – فأرسل الله :

البابا كيرلس الرابع أبو الإصلاح :
– أول من أدخل تعليم المرأة فى مصر قبل “قاسم أمين” .
– أول مَن إستقدم مطبعة إلى مصر من الخارج واستقبلها بنفسه مع الشمامسة بموكب فى ميناء الإسكندرية.
– إهتم ببنيان الكنيسة داخلياً وخارجياً .. معمارياً وروحياً ..
– إكتشف المعلم تكلا الشاب الموهوب فى الحفظ والموسيقى والألحان وكلَّفه أن يجوب القطر ليجمع الألحان.
– إستطاع المعلم تكلا أن يميِّز الألحان السليمة ويجمعها ويوثقها مع الأرخن عريان مفتاح بواسطة المطبعة .
– سلـَّم المعلم تكلا جميع الألحان إلى 7 معلمين مهرة من بينهم المعلم مرقس والمعلم أرمانيوس .
– لكثرة الإصلاحات التى قام بها البابا كيرلس الرابع دسَّ له مقاوموه السم وقتلوه .

خلفه البابا كيرلس الخامس :
– الذى بدأ فى مراجعة وتنسيق وطباعة الكتب الكنسية ، ومنه ينسخ إلى الآن كل مَن يعيد طباعة هذه الكتب.
– ساعده على ذلك الراهب العلامة القمص عبد المسيح مسعود البرموسى .
– إكتشف البابا كيرلس الخامس شاباً موهوباً فى حفظ الألحان بسرعة هو المعلم ميخائيل جرجس البتانونى.
– إستلم المعلم ميخائيل جرجس معظم الألحان من المعلم مرقس والمعلم أرمانيوس تلاميذ المعلم تكلا.
– قصة البابا كيرلس الخامس الذى أخفى المعلم ميخائيل جرجس تحت كرسيه ليحفظ الألحان النادرة التى يرددها بعض المعلمين (الأساطين فى الألحان) فى حضرة البابا بعد أن كانوا يرفضون تسليمها لأحد .
– يسمح الله مرة أخرى ببزوغ نجم فى سماء الألحان فى الكنيسة القبطية هو الأرخن والعالم الموسيقى الشماس راغب مفتاح ، الذى من فرط محبته وغيرته فى الحفاظ على الألحان الكنسية ، إستدعى العالم الموسيقى المشهور (نيولاند سميث) ليجوب أنحاء مصر كلها يستمع للمعلمين ويختبر إتقانهم للحن الكنسى حتى إستقر