باسيليوس المبارك

باسيليوس المبارك
(عام 1552 م)
BASIL THE BLESSED


   ولد باسيليوس فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر أثناء حكم الأمير ايفان فاسيليقيش، وكان والداه يعقوب وحنا متقدمين فى الأيام، ولم يهبهما نسلا فصليا الى الله بحرارة ليمنحهما طفلا، وعندما استجاب لصلواتهما، سارعا ليكرسا الطفل لخدمة الرب.

   وظهرت نعمة خاصة من الله فى باسيليوس منذ أعوامه الأولى، اذ كان دائم الصلاة والصوم، وهكذا عندما بلغ السن الذى تلتهب فيه الشهوات بعنف، كان قد ضبطها فعلا فى نفسه بنعمة الله.

   فى السادسة عشر من عمره ترك باسيليوس بيت أبيه وخرجليجاهد لأجل خلاص نفسه، ليس فى البرية الساكنة حيث الجمال والوحدة، بل فى مدينة موسكو بكل زحامها، وعندما وصل الى المدينة ومباهجها، بل حفظ قلبه فى أورشليم السماوية.

   دخل باسيليوس درب الجهالة لأجل الله، فلم يكن يرتدى الا قميصا طويلا (جلابية) ، وكان يحتمل الجوع والعوز وكل فقر، وفى الشتاء كلن يحتمل قسوة برد موسكو وثلجها بلا تذمر، مرددا كلمات شهداء سبسطية الأربعين:” الشتاء قارص لكن الفردوس حلو” وكان يصلى على الدوام ويتأمل فى خالقه.

   واذ قيل ” من يتكلم كثيرا لا ينجو من الخطية” لذلك التزم باسيليوس طوال حياته فى العالم بالصمت التام كما لو كان فى البرية، وكان يقضى أيامه وسط المتسولين والشحاذين والعرج أما الليل فكان يقضيه فى الصلاة فى مداخل كنائس موسكو، وكثيرا ما كان يزور سجن السكراء والمدمنين. وهذه كانت تهدف الى تهذيب مدمنى الخمر وتأديبهم، وشوهد كثيرا وهو يصلى فى ذاك المكان.

   قبل بلوغ ايقان الرهيب السن الذى يتسلم فيه الحكم، ساد الطغيان المجتمع، وكان القوى يقهر الضعيف بلا رحمة، فكان باسيليوس توبيخا حيا للأشرار وتعزية للمتألمين، ولأنه كان ابنا حقيقيا للكنيسة المقدسة، لذلك ذرف دموعا مريرة من أجل معاصريه وبدموعه قادهم الى التوبة.

   فى عام 1521 م، قبل غزو التتار بوقت قصير، انحنى باسيليوس ومجموعة من الأتقياء أمام كاتدرائية الكرملين وصلى بدموع وحرارة لأجل خلاص الشعب من الخطر القادم، وبالفعل بصلواته خلصت المدينة من هؤلاء الغزاة، اذ بينما هم يقتربون منها رأوا جيشا عظيما فى حقولها، فولوا مدبرين سريعا خارج روسيا.

   فى 23 يونيو عام 1547م، ذهب باسيليوس المبارك الى دير الصليب ووقف يتطلع الى كنيسة الدير مصليا  وباكيا، وكل من كان يمر به، كان ينظر اليه باستغراب، ورغم أنهم لم يعرفوا سبب ذلك لكنهم كانوا يعرفون أنه لا يصنع أو يقول أى شىء بدون سبب، وفعلا كانت هذه نبوة عن نيران رهيبة اندلعت فى صباح اليوم التالى، وكانت بدايتها من هذه الكنيسة ثم التهمت المدينة.

   رغم أن باسيليوس كان يحاول أن يخفى حياة القداسة والفضيلة التى له بتصنع الهبل والحماقة وادعاء الجنون، الا أنه لم يستطع، بل أن رائحة حياته النقية وصبره العظيم بلغا مسامع القيصر ايفان والمطران مكاريوس، فدهش كل منهما ومجدا الله الذى أعطاهم مثل هذا القديس فى زمانهما، وقد أراد الله أن يمجد قديسه أمام القيصر لكى يتهذب القيصر ويتعلم.

    حدث أن دعى القيصر باسيليوس الى القيصر ، وعندما قدموا له مشروبا، سكبه ثلاث مرات من النافذة، فأغضب هذا التصرف القيصر، لكن باسيليوس قال له:” اطفأ نيران غضبك واعلم أننى بسكبى هذا الشراب، أطفأت النيران التى تلتهم مدينة نوفورود كلها الآن”.

    وبهذه الكلمات غادر القصر مسرعا، ورغم أن القيصر كان يعرف قداسته، الا أنه شك فيما عن نيران نوفجورود، فسجل الساعة واليوم الذى زاره فيه باسيليوس ،وارسل أحد رجاله الى مدينة نوفجورود ليتحقق من الأمر، فعلم مبعوثه من أهل نوفجورود ان حريقا قد اندلع فعلا، وفى أثناءه رأوا رجلا عاريا ممسكا بدلو أطفىء النار، وعندما سأل المبعوث عن اليوم والساعة، وجد أن ذلك كان فى نفس الوقت الذى سكب فيه باسليوس المشروب من النافذة، فعاد وأبلغ القيصر الذى ازداد احترامه للأبله وبدأ يدعوه كثيرا الى القصر.

   بعد مرور فترة من الوقت ، حضر بعض مواطنى نوفجورود الى موسكو، ورأوا باسيليوس المبارك وعرفوا أن عينه الذى أطفأ النار فى مدينتهم، فأحاطوه بينما كان يهرب منهم، وبدأوا يخبرون الناس عما حدث ممجدين الله.

   وبأفعاله الغريبة ، علم باسيليوس ناظريه أن يعيشوا فى حياة التقوى، وأرشدهم الى طريق الحق والخلاص، فمثلا رأى الكثير من سكان موسكو أنه فى سيره فى الشوارع كان يقبل بدموع أركان حوائط بعض البيوت، بينما عند بيوت أخرى كان يبتسم ويقذفها بالحجارة، وعند سؤل عن مغزى ذلك ، كانت اجابته القائه حجارة على بعض البيوت:

   ” انى أطرد الشياطين التى ليس لها مكان فى هذا البيت المقدس ، كى أمنعهم أيضا أن يجدوا أى ملجأ ولا حتى خارج البيت”.

   أما عن تقبيله بدموع بعض الوائط البيوت الأخرى، فأجاب أنه يفعل ذلك لانه:”

   يحدث فيها أمور لا تليق بالمسيحين… لقد أخبرنا المخلص أن نصلى بلا انقطاع لئلا ندخل فى تجربة، وألا نستمتع بالأعمال الباطلة.. هذا البيت يطرد حراسه، أى الملائكة المعينين ليحرسونا منذ المعمودية المقدسة، لأنهم (أى الملائكة) لا يستطيعون أن يحتملوا السلوك الغير لائق، لذلك عندما لايجدون لهم مكانا فى هذه البيوت، يجلسون خارجها حزانى، فأحييهم بدموع، متوسلا اليهم أن يتشفعوا لأجل خلاص النفوس التى عينهم الرب لها”.

   تنيح المبارك فى عام 1552م، وأكمل جهاده الطويل والشاق، وقبل نياحته بقليل سقط مرضا ورقد، فانتشرت سريعا أخبار مرضه فى موسكو كلها وبلغت مسامع القيصر الذى أسرع مع زوجته وولديه لزيارة رجل الله وطلبوا صلواته، وتنبأ باسيليوس لأصغر أولاده قائلا:” كل مثراث أجدادك سيكون لك وستكون وريث العرش” وهذا ما حدث فعلا فيما بعد.

   ثم ظهر فرح غير عادى على وجه القديس، لانه كان يرى الملائكة قادمة لتأخذ روحه، وبسلام أسلم روحه الطاهرة فى يد الله، وامتلأت المدينة كلها من رائحة رفاته المقدسة.

   تجمعت حشود ضخمة من الناس ليحضروا جنازة القديس، وكان منظرا مؤثرا للغاية، فقد حمل القيصر بنفسه ومعه بعض الأمراء جسد المبارك على أكتافهم، وهناك كان المطران والاكليروس يسبحون ويرنمون المزامير، وكان الناس يطلبون بدموع أن يصلى باسيليوس لأجلهم وشفى كثيرون بمجرد لمس جثمانه.

   تنيح باسيليوس المبارك فى الثانى من أغسطس عام 1552م عن 88 سنة، وبعد أن جاهد فى شوارع موسكو لمدة 72 سنة، ووضعت رفاته فى مقابر كنيسة الثالوث القدوس، وبنى القيصر ايفان كتدرائية عند قبره، وسماها كنيسة حماية الثيؤطوكوس.

   لم تنته ذكرى المبارك بنياحته، بل أن شهرته ازدات جدا بسبب المعجزات التى كان الله يجريها من جسده.

Similar Posts

  • الصلاة الربانية

    بسم الآب والإبن والروح القدس إله واحد آمين الصلاة الربانية ( 1 ) أبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــانـــــــــــــــــا * الرب هو الذى يعلمنا، فإرادة الرب نفسه أن نناديه بهذا النداء. * علاقة جديدة، ورابطة من نوع آخر، لم نسمعها فى العهد القديم ” لاأعود أسميكم عبيدا بل أحباء “ * الديانة الوحيدة التى ترفع الإنسان إلى مستوى الإبن. بين…

  • رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى فِلِيمُونَ

    بسم الله القدوس رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى فِلِيمُونَ   رسالة خاصة (لفليمون) وعامة (للكنيسة التى فى بيته). وهى تحفة أدبية تنبع من القلب، وتدل على رهافة شعور الرسول الذى كتبها بيده. عالج بشكل جديد وجميل قضية دقيقة بين سيد مسيحى وعبده الذى صار مسيحيا. مضمون الرسالة وتصميمها : العنوان والتحية (1- 3). فعل الشكر (4-…

  • إخـــوة الـــرب

                       إخـــوة الـــرب لنيافة الأنبا أغاثـون جاءت كلمة إخوة الرب فى الكتاب تحت معانى كثيرة, ومن بينها: 1 – إخوة الرب أى أقرباؤه بالجسد لأن للسيدة العذراء أخت , وتدعى مريم زوجة كلوبا أو حلفى , ولها أربعة أولاد . ولذلك قيل فى الكتاب عنهم , إخوة الرب , لأنهم أولاد خالة المسيح…

  • اليوم الثامن والعشرين – شهر بشنس

    اليوم الثامن والعشرين – شهر بشنس تذكار نقل جسد القديس ابيفانيوس فى مثل هذا اليوم من سنة 403 م وصل جسد القديس أبيفانيوس (ذكرت سيرته تحت اليوم السابع عشر من شهر بشنس) إلى جزيرة قبرص وذلك أنه لما كان القديس عائدا من القسطنطينية في مركب وهو في الطريق وصلت المركب في اليوم الثامن والعشرين من…

  • اليوم الثامن عشر – شهر بابه

    شهر بابه نياحة البابا ثيؤفيلس 23 في مثل هذا اليوم من سنة 404 ميلادية تنيح الأب القديس الأنبا ثاؤفيلس الثالث والعشرون من باباوات الإسكندرية، كان تلميذا للأب القديس أثناسيوس الرسولي، وتربى عنده، وتأدب منه الأدب الروحاني. ولما تنيح البابا تيموثاوس قدم هذا الأب مكانه، وكان عالما حافظا لكتب الكنيسة، ملما بتفاسيرها، فوضع ميامر كثيرة وأقوالا…

  • اليوم التاسع والعشرين – شهر هاتور

    اليوم التاسع والعشرين – شهر هاتور استشهاد القديس أكاكيوس بطريرك القسطنطينية في مثل هذا اليوم تنيح القديس أكاكيوس بطريرك مدينة القسطنطينية ، وكان عالما خبيرا بالكتب الإلهية ، مفسرا لغوامضها ، فكرسوه قسا علي كنيسة القسطنطينية ، ولما اجتمع مجمع خلقيدونية ، لم يرض إن يحضر الاجتماع ولما طلبوه للاستنارة برأيه ، امتنع محتجا بالمرض…